بعيدا عن البحث في تاريخ يهود الجزائر ويهود تلمسان بوجه الخصوص، فهو موضوع تناوله الباحثون ووثّقه المؤرخون قبل، ومنذ قدوم الحبر اليهودي إفرام انقاوة هاربا بجلده مع بني جلدته من اليهود، من بلاد الأندلس إلى عاصمة الزيانيين تلمسان، وهو من مواليد طليطلة ببلاد الأندلس سنة 1359 للميلاد، فاستقر ودفن بتلمسان، ويعتبره اليهود المؤسس للجالية اليهودية بالجزائر وتلمسان. وبعيدا عن مرسوم كريميو سنة 1870 الذي أدمج الجالية اليهودية في قطاع المعمّرين الأوربيين، فاختار اليهود التموقع مع المستعمر الفرنسي الغاصب متنكّرين لسكان الأرض التي احتضنتهم منذ قرون..

بعيدا عن كل هذا، وفي ظل عودة الحديث الرسمي عن إمكانية فتح معابد اليهود المغلقة بالبلاد، حسب تصريح لوزير الشؤون الدينية محمد عيسى، تحاول ”الخبر”، في هذا التحقيق، الإجابة عن سؤال طالما راود الكثير من المهتمّين والفضوليين، هل رحل يهود تلمسان كلّهم؟ محاولين في رحلة البحث عن الجواب الابتعاد عن الخرافات والأساطير والتهويل والارتكاز على المعاينات الميدانية والتقارير الأمنية وآراء الأكاديميين والمختصّين.
إدراكا منها لأهمّية الموضوع وحساسيّته، راسلت رئاسة التحرير في جريدة ”الخبر” السلطات العمومية في ولاية تلمسان من أجل الإشعار وطلب الترخيص بالتصوير في أماكن إنجاز العمل الصحفي موضوع التحقيق، من مقبرة اليهود بحي قباصة في تلمسان، إلى مرقد الحبر اليهودي إفرام انقاوة قريبا من المقبرة اليهودية اللغز، إلى المعبد اليهودي المعروف بالشنوغة (باللغة العبرية) والكائن بدرب اليهود (شارع الشهيد حجري سيدي أحمد حاليا) وسط مدينة تلمسان، تمّ إيداع الطلب والمراسلة ببلدية تلمسان يوم الثالث أوت 2014، وأخبرنا من استلموا المراسلة أنهم مضطرون لإشعار مصالح الأمن وطلب رأيها، على غرار ما يتمّ فعله مع الزوّار الأجانب الذين يطلبون زيارة المقبرة اليهودية في تلمسان، ومرّ أسبوعان، ولم يأت الردّ.. فقرّرنا أن نستمرّ في العمل الصحفي والدخول من النافذة، إلى الأماكن التي حدّدناها سلفا، بعد أن أغلقت الإدارة في وجهنا الأبواب التي تفتحها للأجانب ساعة ما يشاؤون.
يهود تلمسان يُستقبلون بالورود
حين كنت داخل المقبرة اليهودية أتابع زيارة أكبر وفد من الحجيج اليهود، من جنسيات فرنسية وأمريكية ومغربية، الذين زاروا تلمسان في شهر ماي سنة 2005، بقيادة اليهودي التلمساني المولد أندري شربيط، المقيم حاليا بباريس، أكثر ما شدّ انتباهي هو ذاك العناق الحار بين اليهود وبين حارس المقبرة وأفراد عائلته،

واستنتجت من هذا المشهد وجود تواصل مستمر بين الطّرفين. شدّتني أيضا تلك الأسماء المنقوشة على اللوحات الرخامية للقبور؛ أسماء لعائلات يهودية تشبه، بل وتتطابق مع عائلات تلمسانية كبيرة، منها كبار التجار وكبار الأطباء والمحامين والفنانين وحتى الوزراء. أحد الزملاء من الإعلاميين ممن رافقني في مهمّة تغطية الزيارة قال مازحا: ”لا تتقدّموا أكثر فقد يجد أحدكم اسمه العائلي على أحد القبور”.. من كثرة تطابق تلك الأسماء اليهودية مع أسماء عائلات نعرفها اليوم على أنها عائلات مسلمة أفرادها يصلّون في المساجد ويحجّون إلى بيت اللّه الحرام.شدّني في تلك الزيارة أيضا مشهد زوجة محام مشهور في المدينة، لبست قفطانا تلمسانيا أصيلا مرصّعا بالجواهر وحملت في يدها باقة ورد، وكانت على رأس المستقبلين للوفد اليهودي الذي زار تلمسان سنة 2005، تحت رعاية فرنسية ومباركة جزائرية رسمية. ونشرت صحيفة جزائرية سنة 2013 اعترافات لشاب جزائري، من مواليد سنة 1988 يقيم بالجزائر العاصمة، قال إنه رافق سيارة إسعاف تحرسها سيارات أمن من أجل دفن أحد أفراد الجالية اليهودية بمقبرة قباصة في تلمسان. رواية تتطابق أيضا مع قصص لجيران المقبرة بالحي المذكور تفيد بوجود حركات ليلية غريبة، بين الفترة والأخرى، قد تكون مرتبطة بعمليات للدفن السري لموتى اليهود بالمقبرة المذكورة.

عادات يهودية
ولمّا بدأت أثير النقاش حول الموضوع مع بعض المواطنين من سكان المدينة، خاصة في المقاهي القريبة من قلعة ”المشور”، وهو مكان قريب من الدروب التي كان يقيم فيها اليهود قبل الاستقلال، بل كان فيها المعبد اليهودي الرئيسي حيث يقع الآن مقر الديوان الوطني للسياحة، تدخّل في الحديث مواطن غامض الطباع: ”وماذا يهمّكم في موضوع اليهود؟”. أجبته: ”سؤال نتمنى الوصول إلى الإجابة عليه.. يهود تلمسان هل رحلوا كلهم؟”، فردّ معلّقا: ”أتمنى أن يكون عملكم صحفيا محترفا، بعيدا عن الخرافات، وأن تفرّقوا بين اليهودية والصهيونية. اليهود كانوا هنا يعيشون بيننا بالآلاف، ولكن بعد الاستقلال بقي منهم عدد قليل.. أنا أتذكّر أن بعضهم كانوا يجلسون في حي طافراطة بالمدينة القديمة في أمان ولم يكن يضايقهم أحد، أمّا الآن فأظن أن من بقي من تلك العائلات فقد دخلوا الإسلام، وهم جزائريون مثلهم مثل العائلات ذات الأصول التركية”.
ختم محدثنا وغادر مسرعا تفاديا لأسئلة أخرى؛ شهادة أولى ربما تتعارض مع لوحة رخامية سوداء لقبر عائلة يهودية مدفونة في مقبرة اليهود بتلمسان كتب عليها: ”عائلة يحيى امسلّم 1887/1961.. رئيس الجمعية الدينية الإسرائيلية”، وتشير اللوحة الرخامية إلى أن هذا الناشط الإسرائيلي دُفن بتلمسان أشهرا قليلة قبل الاستقلال. ولا يختلف حديث المقاهي والنوادي بمدينة تلمسان عن حديث العالم الافتراضي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بين ناشطين ومثقّفين طرحوا السؤال نفسه الذي طرحته ”الخبر” في تحقيقها: ”يهود تلمسان هل رحلوا كلّهم؟”، فكان جواب أحدهم: ”انتظروا حلول المساء وشاهدوا خروج النسوة وما يضعنه على رؤوسهن من شالات وأردية موشّحة بالخيوط البيضاء والسوداء. إنها من عادات اليهود”. فيما أصرّ متدخلون ممّن تتطابق أسماؤهم العائلية مع تلك الأسماء المنقوشة على لوحات مقبرة ”قباصة”؛ أسماء عايناها وحفظناها ونتحفّظ على نشرها تفاديا للإحراج والتهويل، أصرّوا على التفريق بين اليهودية والصهيونية.


الأمن فتح فيها تحقيقا صائفة 2012

منشورات سرية بتلمسان مكتوب عليها: ”يهودي وأفتخر”
المعبد اليهودي، أو ”الشنوغة”، يقع في وسط مدينة تلمسان في أحد أزقة المدينة العتيقة المعروف بدرب اليهود، غير بعيد عن جامع تلمسان الأعظم، شُيّد على الأرض التي وهبها السلطان الزياني أبو تاشفين للطبيب والحبر اليهودي إفرام انقاوة، الذي نجح في علاج ابنة السلطان، ليقوم الحبر بوقف هذه الأرض للجالية اليهودية التي نزحت معه من الأندلس. المعبد الآن مجمّع إداري ورياضي تابع لبلدية تلمسان، توجد به قاعة لممارسة رياضة الكاراتي ومكاتب لبعض الجمعيات. قبل دخول الاستعمار الفرنسي إلى المدينة سنة 1846، مثلما تشير إليه مصادر تاريخية اطلعت عليها ”الخبر”، كان بتلمسان خمسة أو ستة معابد يهودية، أكبرها المعبد الذي تمّ ترميمه في سنوات 1875 و1890 للميلاد ثم 1900، ليتم إعادة بنائه على الطراز المعماري الذي هو عليه الآن سنة 1938. وفي صائفة سنة 2012 عثر مواطنون على منشورات سريّة مرمية على الأرض وعلّق بعضها على الجدران بعنوان ”يهودي وأفتخر”، وفتحت بشأنها مصالح الأمن تحقيقات لم تتوصل إلى تحديد هوية وأهداف من يقف خلف توزيع تلك المناشير السريّة. وفي إطار جمع المعلومات التي تفيد البحث عن السؤال الذي يطرحه تقرير ”الخبر”، علمنا من مصادر رسمية مطلعة أنّ تقارير أمنية رسمية حديثة سجّلت أنها رصدت وفودا ثقافية وسياحية أجنبية تأتي إلى تلمسان في مهمّات عمل رسمية، ليخرج أعضاؤها ليلا في تستّر وخفية للالتحاق بمساكن تلمسانية قديمة معروفة أن سكّانها قبل الاستقلال كانوا من اليهود الذين غادروا مع الاستعمار الفرنسي. وأشارت هذه التقارير إلى أن هذه الزيارات الليلية ليست سوى زيارات لمعابد يهودية سرية، في أماكن أصبحت معلومة لدى مصالح الأمن الجزائرية. ..كان الزّمن شتاءا، وكان الوقت منتصف الليل.. منذ سنوات قليلة حلّ بتلمسان وفد أكاديمي في مهمة عمل، وقد أثارت أسماء أعضائه الشكوك لدى أجهزة الأمن الجزائرية، فوضعت تحركات أعضاء الوفد واتصالاتهم تحت المراقبة.. غادروا النزل منتصف الليل، متوجهين إلى منزل أو فيلا قديمة وسط المدينة.. دخلوا متسلّلين.. لممارسة طقوسهم التعبدية.. وكان ذلك البيت أحد المعابد السرية التي كشفتها ورصدتها مصالح الأمن، دون أن يترتّب عن ذلك أي إجراءات للمنع أو الرّدع، ربما لحسابات أمنية وسياسية، وحتى قانونية لم يحن بعد الحديث عنها.

هكذا وصل اليهود إلى الجزائر
في عام 1997 بلغ عدد اليهود في الجزائر حوالي الـ50، وتعود أصول هؤلاء اليهود إلى العصر القديم حين أتوا البلاد جماعات، خاصة من إسبانيا، غير أن غالبيتهم أجبروا على اعتناق الإسلام خلال فترة سلالة ”الموحدين” التي دامت من سنة 1130 وحتى سنة 1269. ومع تدهور ظروف اليهود في إسبانيا في القرن الرابع عشر انتقل العديد منهم إلى الجزائر، ومن بينهم الكثير من العلماء الموهوبين، مثل ”ريباش” و«راشاتز”. ومع مرور الزمن ومجيء الفرنسيين إلى الجزائر عام 1830 تبنى اليهود الثقافة الفرنســـية، وأعطيت لهم الجنسية الفرنسية أيضاً بموجب مرسوم كريميو.
وخرج العديد من يهود الجزائر بعد عام 1962، أي بعد استقلال الجزائر، واتجهوا إلى فرنسا واستقروا هناك. أما اليهود في الجزائر حالياً فيتجمّعون في الجزائر العاصمة، بالإضافة إلى أعداد قليلة في مدن وهران والبليدة وقسنطينة. وتمّ تحويل المعابد اليهودية إلى مساجد في أنحاء متفرقة من الجزائر. ولا يرتبط الاحتلال الإسرائيلي بعلاقات مع الجزائر، وقد هاجر إلى فلسطين المحتلة، منذ عام 1948، نحو 25681 يهودي من الجزائر.


أصول اليهود في الدول العربية

يعود وجود الطائفة اليهودية في المنطقة العربية إلى موجات متتالية، بدأت بالمستوطنين الأوائل منذ القرن السادس قبل الميلاد (النفي البابلي)، ثم موجة أتت بعد سقوط القدس (القرن الأول الميلادي)، وهاجرت هذه الجماعات شرقاً نحو العراق أو جنوباً نحو الجزيرة العربية وجنوب غرب مصر، وتسربت أعداد منها إلى شمال إفريقيا، وقد امتزجت بأهل البلاد الأصليين وتكلّمت لغتهم وأطلق بعضهم على أفرادها اسم المستعمرين، وهم أقدم الطوائف اليهودية المقيمة في المنطقة.
إلا أن الموجة الكبرى هي التي أتت بعد خروج اليهود الجماعي من إسبانيا، إثر سقوط الأندلس، وانتشر من سموا ”سفارديم” الناطقين ”لادينو”، وهي لهجة إسبانية عبرية، في كل مكان على سواحل المتوسط من المغرب وحتى آسيا الصغرى، ونزل بعضهم في اليونان وإيطاليـا، وحتى شمال غرب أوروبا، وكانوا يختلفون عن غيرهم من المجموعات الشرقية من الناحية العرقية. وحتى في بعض الأمور الدينية، فليس يهود اليمن والعراق أو إيران أو أفغانستان مثلا ”سفارديم”.
وجاء عدد من اليهود الإيطاليين إلى الجزائر واستوطنوا في ليبيا والجزائر في القرن السابع عشر، وكلا المجموعتين من أصول إسبانية سفاردينية، ومختلفة من عدة وجوه عن المستوطنين اليهود القدامى، إذا كانوا أكثر تمدنا وثقافة. وفي القرون التالية أصبح الفرق بين اليهود السفارديم واليهود الشرقيين أقل وضوحاً، إلا أنه لم يختف بشكل كامل .
ولا يمكن حصر اليهود في الدول العربية بشكل دقيق، خاصة قبل عام 1948، بسبب ضعف الوعي الإحصائي العربي أساساً، وعدم وجود التمايز الطائفي أساساً، فضلاً عن عدم القيام بمسوح وتعدادات سكانية عامة في كافة الدول العربية قبل عام 1948. إلا أن هناك تقديرات مختلفة لمجموع اليهود في الوطن العربي في عام 1946، قدّرتهم إحصاءات الوكالة اليهودية بنحو 800 ألف يهودي، يشكّلون بين 5 و6 في المائة من إجمالي عدد اليهود في العالم في العام المذكـــور، والمقدر بين 16 و17 مليونا.
ومن بين مجموع اليهود في الوطن العربي في العام 1946، بين 16 و18 ألفاً في سـوريا ولبنان، وبين 120 و130 ألف في العراق، وفي اليمن بين 45 و50 ألفاً، وفي مصر بين 70 و80 ألفاً، في حين عاش في تونس بين 70 و80 ألف يهودي، وفي الجزائر 120 ألف، وفي المغرب أكثر من 200 ألف.

نورالدين بلهواري




أكثر...