الثورات العربية تحفز العلوم الاجتماعية

القاهرة- خلقت الثورات التي عصفت بالعالم العربي والتي بدأت في تونس منذ حوالي أربعة أعوام تحولات سياسية هائلة، إذ شجعت على التغير الاجتماعي وأدت إلى انتشار الجهاديين الإسلاميين في كافة أنحاء المنطقة.

كما أحدثت تغيرات في العلوم الاجتماعية، وكشفت عمق التحديات التي تواجه الأبحاث والتنمية في المجالات الأكاديمية في العالم العربي.يرى الأكاديميون أن أبرز التحولات تظهر في الموضوعات التي تطرح للنقاش. قال يقول عدنان الأمين، مؤسس الجمعية اللبنانية للدراسات التعليمية، والتي تعمل على مشروع بحثي يتعلق بالثورات العربية “إذا تصفحت المجلات الأكاديمية، ستكتشف التأثير القوي للربيع العربي وانعكاسه على القضايا التي تتم مناقشتها، والمقالات، وعناوين الكتب، والمعلومات والتي تتحدث عن اليمن، ومصر، وتونس.” (يقيس هذا المشروع مدى اهتمام الجامعات العربية بتدريس المعرفة والمهارات المتعلقة بالحياة العامة، بما في ذلك قضايا المشاركة السياسية والمواطنة).وصارت أفضل الإصدارات من تأليف أساتذة الجامعات . قال الأمين “ومن ثم يمكن أن نؤكد على وجود تأثير هائل على إنتاج المعرفة.”قال فلوريان كوستال، رئيس مكتب جامعة برلين الحرة في القاهرة “أتاحت الثورات العربية فرصًا كبيرة لعلماء الاجتماع داخل منطقة الشرق الأوسط وخارجها لإعادة النظر في النماذج وأطر العمل الخاصة بالمفاهيم.” فعلى سبيل المثال، ركز العلماء العاملون في الشرق الأوسط جهودهم لفترة طويلة على شرح مدى استقرار الأنظمة الديكتاتورية، كما قال كوستال في مناقشة مائدة مستديرة أقيمت في أيلول/سبتمبر في وسط القاهرة “اتسمت دراسات الشرق الأوسط بطابع خاص استثنائي لأن بعض الرؤساء والملوك حكموا معظم هذه الدول لعقود طويلة.”كما أفسحت الثورات العربية المجال للعلماء للتركيز على مجالات كانت مهملة في مرحلة سابقة، مثل دور الإعلام الجديد، والحشد الاجتماعي القوي – مثل حركات التظاهر – والآثار السلبية لبعض الإصلاحات الاقتصادية، على حد قول كوستال. واتسع المجال للعمل الميداني، وزاد الاهتمام من مختلف المؤسسات التي تمول الأبحاث، وزادت فرص التعاون بين الباحثين من الدول المعنية وغيرهم من الباحثين في الشرق الأوسط.ولكن كوستال أكد أنه لم يتضح بعد كيفية دمج المعرفة التي تم الحصول عليها من الأبحاث خلال الأعوام الثلاثة الماضية في مجالات العلوم الاجتماعية. يتفق البعض مع هذا التقييم؛ قالت ستناي شامي، الرئيسة المؤسسة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية، وهي مؤسسة إقليمية غير ربحية مقرها بيروت “لا يمكن تغيير المناهج الدراسية بهذه السرعة. يمكن أن تعكس هذه المناهج بعض الأحداث، ولكنها تعتمد بشكل دائم على القدرات المتوفرة والباحثين المتخصصين في مجال بعينه وخبراتهم.”ولكن من الواضح أن التركيز قد تحول إلى أربعة مجالات أساسية، ألا وهي الحشد ( مثل التظاهرات والحركات السياسية)، ومدى استجابة الدولة لهذا الحشد، والحركات الإسلامية وتأثير الثورات على المجتمعات، والاقتصاديات وغيرها من العوامل، كما قالت شامي. ومن بين التغيرات الأخرى، هناك أيضًا الكثير من المجالات والمنافذ لتداول التحليلات والآراء والأفكار. كما يتحدث الجميع، حتى ممن يفتقرون إلى الخبرة ، حاليًا حول موضوعات ذات الصلة، والتي يمكن أن يكون لها آثار ولكنها ليست بالضرورة آثارًا سلبية.على المدى القصير، أظهرت هذه التحولات الحاجة إلى أشخاص يمكنهم التعليق على سيناريوهات اجتماعية سياسية، والتي من شأنها أن تزيد الدعم للعلوم الاجتماعية، كما قالت شامي. ولكن على المدى الطويل، هناك تساؤل مفتوح حول مدى انعكاس الاهتمام العالمي بالمنطقة على تعزيز العلوم الاجتماعية، على حد تعبيرها، فالعلوم الاجتماعية لا يمكن أن تطور فجأة إذا لم تكن الجامعات أو المؤسسات في المنطقة تخرج خبراء قادرين على تبني هذا التطوير. فلم تكن الجامعات العربية، فيما عدا بعض الاستثناءات، قوية بصفة خاصة في مجال العلوم الاجتماعية، ومن ثم لم يقع اختيار أفضل الطلاب على دراسة العلوم الاجتماعية؛ حيث يتجهون في أغلب الأحيان نحو دراسة الهندسة أو الطب.لا تعتبر هذه هي التحديات الوحيدة التي تواجه إمكانات التغيير على المدى الطويل.في مصر، استمرت العلوم الاجتماعية في صراع مع التحديات الجديدة ومع إرث قديم من التحديات التي ظهرت قبل ثورات عام 2011، كما قالت جودي بارسالو، رئيسة مؤسسة الحبري في واشنطن العاصمة ومتخصصة في علم الاجتماع. “قبل الثورة، كانت هناك مشكلات خطيرة تتعلق بمدى توافر الموارد في الجامعات المصرية، والفصول الدراسية المكتظة، وفقر المحتوى في المكتبات، وزيادة عدد الطلاب بالنسبة للأساتذة، بالإضافة إلى مشكلة مراقبة الجودة بصفة عامة ومعايير التدريس والأبحاث.”أثناء الثورات وفي أعقابها، أصبحت الجامعات مواقع للتظاهرات من قبل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، ولم تنجح أو تصمد الإصلاحات الرامية لتحقيق الاستقلال للجامعات. فأصبح الرئيس المصري حاليًا هو المسئول عن تعيين رؤساء الجامعات وعمدائها، وسمح بدخول الشرطة مرة أخرى إلى الجامعات وتم حظر مجموعات الطلاب ذات التوجهات السياسية داخل الجامعات، وذلك في إطار جهود الدولة الرامية لسحق الإسلاميين. في هذا الجو من العنف السياسي والاستقطاب، يتساءل كوستال عن المواد التي يمكن أن يناقشها أساتذة السياسة داخل الفصول الدراسية.”من وجهة نظر عامة، طالما لم تحقق استقلالية الجامعات، سيصعب إجراء الأبحاث الاجتماعية. فإذا كنا بحاجة إلى أبحاث حقيقية، يجب أن نسعى أولاً لتحقيق الاستقلال داخل الجامعات مع الحرص على توفير الأمن أيضًا.”وتنطبق هذه الصورة على ليبيا؛ حيث يواجه التعليم تهديدًا من قبل الإيديولوجيات المحافظة الناشئة والعنف الدائر بين الفصائل المتناحرة بعد الإطاحة بالدكتاتور معمر القذافي في عام 2011. في جامعة بني غازي، قالت آمال عبيدي، رئيس قسم العلوم السياسية في الجامعة “لدينا طلاب يتعرضون للقصف والرصاص في طريقهم إلى الجامعة.”وأضافت عبيدي متحدثة في المائدة المستديرة التي أقيمت مؤخرًا في القاهرة أن المرأة أكثر عرضة للخطر. ولا يتعلق ذلك بصعوبة ذهابها إلى الجامعة فحسب، ولكن أيضًا بسبب بعض المحافظين الذين يسعون حاليًا إلى حظر مشاركتها في العمل السياسي. فكيف لنا إذن أن نناقش موقف العلوم الاجتماعية إذا كانت المرأة مستبعدة تمامًا من عملية بناء الدولة.”وعلى الرغم من ذلك كله، فتحت الثورة في ليبيا المجالات أمام المشروعات التعاونية والتي تشمل مشروعًا بين جامعة بني غازي وجامعة ليدن في هولندا بعنوان “تحقيق العدالة والتنمية المؤسسية في ليبيا”. وأضافت عبيدي “يعتبر هذا التعاون من الجوانب الرئيسية التي نفتخر بها جميعًا.”كما تظهر المبادرات التعاونية في أماكن أخرى. ففي عام 2011، أطلقت الحكومة الألمانية مبادرة الشراكة التحولية الألمانية العربية، والتي ستتوسع العام القادم لتشمل شركاء من جامعات في مصر، وتونس، والأردن، والمغرب، وليبيا، واليمن. وتهدف هذه الشراكة إلى دعم تطوير المناهج، والمساعدة في تأسيس برامج التبادل الطلابي، والارتقاء بالتدريس في الدول الشركاء، بالإضافة إلى أهداف أخرى كثيرة.في مصر، تضمن البرنامج تبادل طلابي بين ألمانيا وليبيا ومصر، بالإضافة إلى مؤتمر ومدرسة صيفية وتطوير للمناهج، كما صرحت علا الخواجة، مشرفة أكاديمية في برنامج الدراسات الأورومتوسطية في جامعة القاهرة، والتي تعتبر شريكًا في البرنامج. وقد أدى ذلك إلى تطوير دورة دراسية بعنوان “أوروبا والتحولات في العالم العربي”، والتي من المزمع تقديمها في جامعة القاهرة في ربيع 2015.حاليًا، لا توجد أية دورات دراسية في الجامعة مخصصة لدراسة الربيع العربي، كما قالت الخواجة، والتي اقترحت جمع علماء الاجتماع من مختلف أنحاء المنطقة لمناقشة كيفية تغيير المناهج في ضوء التحولات السياسية الأخيرة. وأضافت “تعتبر قضية تحول العلوم الاجتماعية مشروعًا ضخمًا يجب أن يتم تناوله بشيء من العمق.”