نحن نقص عليك احسن القصص :

17 - (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً) أي مثَل هؤلاء المنافقين كمثَل أصحاب الذي استوقد ناراً ، يعني طلب إيقاد النار ، وهو موسى بن عمران . قال الله تعالى في سورة القصص {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُون}.

والمعنى : مثَل هؤلاء النافقين وفعلهم معك يا محمّد كمثَل المنافقين من قوم موسى وفعلهم معه ، ومِمّا يؤيّد ذلك قوله تعالى في سورة الأحزاب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا}.
(فَلَمَّا أَضَاءتْ ) يعني فلمّا أضاءت الشجرة التي كلّم الله تعالى منها موسى وهي شجرة الزيتون ، أضاءت بالعلم والهداية (مَا حَوْلَهُ ) يعني أضاءت على موسى ومن حوله وهم بنو إسرائيل بأن أنقذهم من يد فرعون وخلّصهم من عذابه ، وفعلاً كانت الشجرة تضيء بالنور ولذلك ظنّها موسى ناراً . فكفر بنو إسرائيل بعد ذلك وفسقوا وخيّم الجهل عليهم فقالوا أرِنا الله جهرةً فأخذَتهم الصاعقة ، وصارت ظلمة ، وهذا معنى قوله تعالى (ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ ) أي بنور الهداية من فاسقي بني إسرائيل (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) الجهل (لاَّ يُبْصِرُونَ ) الحقّ .
19 - (أَوْ ) مثَلهم (كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء ) أي كأصحاب الصيّب ، وهو السحاب الكثير الصَّوب ، والصوب هو المطر الشديد ، ومن ذلك قول الحسين (ع ) : "بين أناسٍ لا سُقوا صَوب المزن" . والمعنى : أو مثَلهم كمثَل قومٍ أخذَتهم السماء بالسحاب والمطر والظلمة والبرق والرعد ليخوّفهم الله بالصواعق ويردعهم كي يرجعوا عن غيّهم ويتركوا طلِبَتَهم التي ساروا خلفها يطلبونها ، ولكنّهم لم يرتدعوا بتلك الحوادث ولم يرجعوا عن غيّهم بل أخذوا يسيرون عند إنارة البرق ويقيمون عند الظلمة لأنّ سفرهم كان بالليل ، وذلك قوله تعالى [ في الآية التالية] : {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} وهم قوم فرعون ساروا في طلب موسى وقومه وكان مسيرهم ليلاً ، فردعهم الله تعالى بالمطر والرعد والبرق والصواعق فلم يرتدعوا بل ساروا في طلبهم حتّى أدركوهم صباحاً فأغرقهم الله في البحر وأهلكهم جزاءً لعنادهم ؛ فكذلك المنافقون من قومك يا محمّد إن لم يرجعوا عن غيّهم ويصلحوا أعمالهم فإنّ الله يهلكهم كما أهلك فرعون وقومه ، وذلك قوله (فِيهِ) أي في ذلك الصيّب يعني السحاب (ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم ) الضمير يعود لأصحاب الصيّب وهم قوم فرعون (مِّنَ الصَّوَاعِقِ) أي من شدّة الصواعق وأصوات الرعد (حَذَرَ الْمَوْتِ) أي خوفاً من أن يموتوا (واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) يعني لا يفوتونه مهما لزموا الحذر .

من كتاب المتشابه من القران . محمد علي حسن الحلي .http://quran-ayat.com/huda/