تفسير سورة لقمان من الآية( 12) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
http://quran-ayat.com/huda


الاســـم:	11844158_862596110488070_1560056132_n.jpg
المشاهدات: 169
الحجـــم:	34.4 كيلوبايت

12 - (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) جزاءً لتقواه وبرّه ، أي أعطيناه العلم والموعظة . وهومن بني اسرائيل من سبط نفتالي مسكنه فلسطين في الجليل في زمن رحبعام بن سليمان واسمه طوبيّا ، وإنما سمّاه الله تعالى لقمان لأنّه كان يطعم الفقراء والمساكين فيضع اللقمة في أفواههم من طيبة نفسه وحسن أخلاقه ، وزوجته إسمها حنّة فولدت له إبناً سمّاه باسمه أيضاَ ، وكان رجلا تقياً بارّاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر قومه بطاعة الله . وقصته مذكورة في مجموعة التوراة في سفر طوبيّا باسمه بالتفصيل . وقولهُ تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) يعني أوحينا إليه أن اشكر لله على هدايته لك وإعطائك الحكمة والولد الصالح (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) يعني ثواب شكره يعود عليه ويزداد نعمة من الله . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} يعني أزيدكم نعمة على نعمة .

(وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ) عن شكر الشاكرين (حَمِيدٌ ) أي مستحقٌّ للحمد على نعمائه .16 - (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا) أي الحسنة ،

إشارة الى قوله تعالى في أوّل السورة {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} ،
(إِن تَكُ) في الصغر (مِثْقَالَ حَبَّةٍ) أي ثقل حبة (مِّنْ خَرْدَلٍ85 فَتَكُن ) الحسنة (فِي صَخْرَةٍ) ترفعها عن طريق المارّة (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ) تنظر إلى النجوم ليلاً فتعرف الطريق وتهدي به المسافرين الضالّين عن الطريق ، والدليل على هذا قوله تعالى في سورة النحل {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} ، أو ترشد سائلاً اذا سألك عن وقت السحور فتنظر إلى السماء فتعرف الوقت وتخبره بالوقت لكي يتسحّر أو ليصلّي صلاة الفجر ، (أَوْ فِي الْأَرْضِ) تهدي الضالّين عن الطريق أو تطعم أحداً من الجائعين أو تكسو أحداً من العرايا أو غير ذلك من الحسنات (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) مكتوبة في صحائف أعمالك ويجازيك عليها (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ) بالمحسنين (خَبِيرٌ) بالمنفقين على اليتامى والمساكين . وقد سبق تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء في آية 47.17 - (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىظ° مَا أَصَابَكَ إِنَّ) الذي وعظتك به ( ذَ‌ظ°لِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي هذه الصفات الحميدة من صفات الأنبياء أولي العزم ومن صفات الملائكة وعزمهم عليها وبهذه الصفات والأعمال وصلوا إلى هذه المنزلة عند الله .
18 - (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي لاتُمِلْ برقبتك تذلّلاً للناس لتسأل شيئاً ليعطوك بل سلْ حاجتك من الله . وهذا مثل يُضرَب في الذلّ ، ومن ذلك قول الشاعر:

عِشْ عزيزاً أو مُتْ حميداً بخيرٍ ... لاتضعْ للسؤالِ والذلِّ خدّا
كمْ كريمٍ أضاعَهُ الدهرُ حتّى .... أكلَ الفقرُ منهُ لحماً وجِلدا
كلّما زادَهُ الزمانُ إتّضاعاً .......... زادَ في نفسِهِ عُلوّاً ومَجدا
فالأصعر هو الذي يميل برقبته اما تذللاً وإما لمرضٍ اصابه، والشاهد على ذلك قول حسان بن ثابت الأنصاري :
تَصُدُّ إذا ما وَاجهتْني خُدودُهُم ..... لدَى محفلٍ عنّي كأنّهمُ صُعْرُ
مفرد الصُعر أصعر ، وهو الذي يميل برقبته على الدوام لمرض أصابه . يقول الشاعر :
إذا واجهوني في محفلٍ أمالوا برؤوسهم عني لشّدة بغضهم وحقدهم عليّ كأنهم صُعرٌ .
يعني كأنّ في رقابهم مرض يجعلها مائلة . وقال حسّان أيضاً :
وَإنّي لَسَهلٌ لِلصَدِيقِ وإنّني ..... لأعدِلُ رأسَ الأصعَرِ المتمائِلِ
وفي هذا البيت ضرب الشاعر مثلاً بمن يميل برأسه عن الحق ولايرضى به . قال اللهُ تعالى في سورة المنافقون {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ} أي أمالوا رؤوسهم عنك . وقال الفرزدق يمدح عمرو الأسيدي :
وبكرٌ وعبدُ القيسِ وابنةُ وائلٍ ..... أقرّتْ لهُ بِالفضلِ صُعراً خدودُها
وقوله تعالى ( وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) أي فرحاً فخوراً مشية المتكبر . والمعنى لا تتذلل في السؤال اذا سألت ولا تفتخر في العطاء اذا أعطيت (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ) أي خدّاع والشاهد على ذلك قول امرئ القيس :
ألا يحبسُ الشيخُ الغيورُ بناتهُ ..... مخافةَ جنبيّ الشمائلِ مختالِ
(فَخُورٍ) أي يفتخر على الناس بما أعطى من المال .19 - (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) يعني وأصلِح بين الناس في مشيك ، فالقصد معناه الإصلاح والإرشاد ، وقد سبق شرح كلمة القصد في سورة النحل عند قوله تعالى {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} .

(وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) عند التكلّم ، أي لاترفع صوتك عالياً (إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) .20 - (أَلَمْ تَرَوْا ) أيها المسلمون (أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ ) الغازية من رياح وسحاب ومطر (وَمَا فِي الْأَرْضِ) من أنهار وبحار ودوابّ وبقر (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ) أي وسّع عليكم نعمه (ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) فالظاهرة نعم الدنيا من صحة ومال وولد وغير ذلك ، أما الباطنة فهي نعمة الإسلام والهداية إلى طريق الصلاح ، اذ لاتنكشف حقيقة دين الإسلام عند أهل الأديان الأخرى وتظهر للعيان إلا في الآخرة فيعلمون هو خير الأديان (وَمِنَ النَّاسِ) أي من المشركين (مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ) أي يخاصم في دين الله (بِغَيْرِ عِلْمٍ ) بما يقول ولا دليل معقول (وَلَا هُدًى) من الله (وَلَا كِتَابٍ) سماوي (مُّنِيرٍ ) للطريق ، يعني واضح الدلالة .