تفسير سورة الأحزاب من الآية( 2) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
http://quran-ayat.com/huda
الاســـم:	11844082_862584680489213_1783223560_n.jpg
المشاهدات: 136
الحجـــم:	32.3 كيلوبايت

سورة اﻷحزاب
نزل أوّل السورة في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي اﻷعور السلمي ، قدموا المدينة ونزلوا على عبد الله بن أُبيّ بعد غزوة الخندق بأمان من رسول الله ليكلموه فقاموا وقام معهم عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق ، فدخلوا على رسول الله فقالوا : "يا محمد دعنا وآلهتنا وندعك وربّك فلا تذكرها بسوء ولانحن نذكرك بسوء " فنزلت هذه اﻵية :
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ) أي إثبت على تقوى الله (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ) فيما يدعونك إليه من تركهم على دينهم وعبادتهم للأصنام بل علّمهم وفهّمهم بأنّ الأصنام لا تضر ولا تنفع ومن يعبدها فهو من الخاسرين (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا ) بغاياتهم قبل سفرهم إليك (حَكِيمًا ) فيما يأمرك به وينهاك عنه . ومثلها في المعنى في سورة القلم قوله تعالى {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} والمعنى ودّوا لو تتركونهم وآلهتهم فيتركونكم وشأنكم .
2 - (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) في نبذ الأصنام وتكسيرها (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) فيجازيكم على أعمالكم في الآخرة .
3 - (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) في نشر دينك ولاتلتفت إلى أقوال المشركين والله ينصرك عليهم (وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) لك على أعدائك . ثم وجّه الخطاب الى المشركين فقال تعالى :
4 - (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) لكي تصرفوا قلباً في محبة الأصنام والآخر في محبة الله ، بل جعل لكلّ انسان قلباً واحداً لكي توجهوا قلوبكم إليه وتملؤوها بمحبّته ، ومن ذلك قول الشاعر :

لَوْ كانَ لي قلبانِ لعشتُ بواحدٍ ....... وخلّفتُ قلباً في هواك معذَّبُ
ولكنّ لي قلباً يميلُ إلى الهوَى ... فلا العيشُ يصفُو لي ولا الموتُ يَقرُبُ8 - (لِّيَسْأَلَ) الله (الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ) وهم الأنبياء ، فإن الله يسئلهم يوم القيامة عمّا أُرسلوا به فيقول لهم هل بلّغتم قومكم بما أُرسلتم به وهل بشّرتم وأنذرتم ؟ فيقولون بلى ياربّنا بشّرنا وأنذّرنا ، فيقول ماذا أُجبتم ؟ فيقولون سبحانك لا عِلم لنا بالحقائق فبعضهم آمن وبعضهم كفر . ومما يؤيد ذلك قوله تعالى في سورة المائدة {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} . وانما يسألهم الله تعالى عن ذلك لئلا تبقى حجةٌ للمشركين بأن يقولوا لم ترسل لنا من يرشدنا الى عبادتك وينذرنا عن عبادة غيرك . فتكون الأنبياء شهوداً على الكافرين والمشركين بأنهم أنذروهم عن عبادة الأصنام والأوثان ولكن لم يسمعوا لقولهم (وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) في الآخرة . فالمؤمنون يُحاكَمون يوم القيامة ويُسألون. أما الكافرون والمشركون فلا يُحاكَمون بل يدخلون جهنّم بغير محاكمة .
9 - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ) من المشركين ، وهم الذين تحزّبوا على رسول الله أيام حفر الخندق وأرادوا أن يهجموا على المدينة فمنعهم الخندق من العبور إليها فنزلوا قرب الخندق يريدون حصارها ، فأقاموا أياماً لم يتمكنوا على شيء ، فدارت مناوشات بينهم وبين المسلمين فقُتل فيها عمرو بن عبد الودّ العامري ، قتله علي بن أبي طالب ، وبعدها أرسل الله عليهم ريحا عاصفة شديدة قلبت قدورهم وقلعت خيامهم ومزّقتهم فرجعوا الى أهلهم خائبين ، وذلك قوله تعالى (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا) وهم الملائكة أرسلهم الله لنصرة المؤمنين (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) فاذكروا تلك الحادثة واشكروا الله على نصره لكم .

كانت الواقعة في السنة الخامسة للهجرة في شهر شوّال ، وكان على رأس قريش قائدهم أبو سفيان ، وغطفان قائدهم عُيينة بن حصن ، وبني النضير من اليهود الذين حزّبوا الأحزاب بسبب إجلائهم من المدينة الى خيبر وسيدهم حييّ بن أخطب فبسببه نقضت بنو قريضة عهدهم مع رسول الله فظاهروهم وكانوا زهاء اثني عشر الفاً ، وخرج النبيّ إليهم في ثلاثة آلاف ومضى قريب من شهر يترامون كلّ يوم بالنبال والحجارة حتى بعث الله عليهم ريحا ًعاصفة في ليلة باردة سفّت التراب في وجوههم وأطفأت نيرانهم وقلعت خيامهم وماجت الخيل بعضها في بعض فرجعوا الى ديارهم خائبين .10 - (إِذْ جَاءُوكُم ) المشركون (مِّن فَوْقِكُمْ ) أي من فوق الوادي من قِبَل المشرق ، وهم غطفان ومن تابعهم من أهل نجد وبنو النضير وبنو قريظة (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ) أي من أسفل الوادي من جهة الغرب من ناحية مكة ، وهم قريش ومن شايعهم (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ) يعني أبصار المسلمين ، أي مالت عن كلّ شيء وشخصت نحو العدو (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) من الخوف ، وهذا مثَل يُضرب لشدة الخوف ، والحنجرة هي البلعوم وجمعها حناجر (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) أي اختلفت الظنون بينكم فبعضكم ظنَّ أنّ المشركين ينتصرون على المسلمين لكثرتهم ، وبعضكم ظنَّ القتل ، وبعضكم ظنَّ النصر للمؤمنين .
11 - (هُنَالِكَ ) أي في ذلك المكان والزمان (ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ) أي اختبرناهم ليظهر لك حسن إيمانهم وصبرهم ، فظهر لك من كان ثابتاً في الإيمان ومن كان ضعيفاً فيه (وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) أي حُرِّكوا بالخوف وأُزعجوا إزعاجاً شديداً .
12 - (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) أي شكٌ وهو مرض نفساني (مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) بالنصر (إِلَّا غُرُورًا) يعني إلا خديعةً .
13 - (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ ) أي من المنافقين (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ ) وهو إسم المدينة المنورة (لَا مُقَامَ لَكُمْ ) أي لا إقامة لكم هنا (فَارْجِعُوا) الى المدينة ، والمعنى لافائدة من بقائكم في هذا المكان إرجعوا الى المدينة لكيّ تتحصّنوا في بيوتكم وتحفظوا عيالكم . وذلك لأنّ جيش المسلمين كان خارج المدينة قرب الخندق ( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ) في الرجوع الى المدينة ، وهم بنو حارثة وبنو سلمة (يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ) أي غير حصينة نخشى عليها من العدو ، فكذّبهم الله تعالى بقوله (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ) من الجهاد خوفاً من القتل .
14 - (وَلَوْ دُخِلَتْ) المدينة (عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا) يعني من جوانبها ، يعني لو أذِنتَ لهم في الرجوع إلى ديارهم في المدينة ثمّ جاءهم بعض الذين يقاتلونك من الأحزاب وسألوهم أن يتركوك ويذهبوا معهم لمحاربتك لفعلوا لأنّهم يتبعون الكثرة ، وذلك قوله تعالى (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا) يعني لو سألهم أحد أعدائك الرّدة عنكم وعن نصرتكم لفعلوها وذهبوا مع الأحزاب (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا) أي ولما أقاموا بالردّة (إِلَّا يَسِيرًا ) وينهزمون كما انهزم الأحزاب ورجعوا خائبين ، وحينئذ يخسرون المعسكرين ليس لهم وجه ليرجعوا إليكم ولا فائدة لهم من الأحزاب فيبقون مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إليكم .