أصدرت الأمم المتحدة تحذيرات للدول الغربية وخاصة أوربا من تداعيات ظاهرة "التخلى عن الأطفال الرضع"، ووضعهم فى حضانات أمام المستشفيات والكنائس والبلديات وفى الطرق المزدحمة خلال الفترة الماضية، والتي شهدت تنامى خطير لتلك الممارسات في المجتمع الأوربي. وذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية فى تقرير لها، أنه بالرغم من انتشار هذه الظاهرة خلال العقد الماضى، إلا أن وسائل الإعلام أحيت هذه الظاهرة من خلال رصد وقائع تقشعر لها الأبدان، مثل التخلى عن الأطفال حديثى الولادة فى صناديق القمامة. ووفقا لعدد من المراقبين فإن هذه الظاهرة البشعة تنتشر بشكل واسع في الدول الغربية والمجتمعات التي لا تدين بالإسلام بسبب تفشي الرذيلة، وعدم وجود الوازع الديني، وتفكك الأسرة والمجتمع، بعكس التعاليم والقيم الإسلامية التي ترفض رفضا قاطعا الإساءة للأطفال بأي شكل. وبعد أن استحدثت ألمانيا عام 2000 آلية وضع حضانات خارج المستشفيات، مدعمة بإنذار للتنبيه بوجود طفل بداخلها بعد تركه سراً، تبنت 10 دول أوروبية أخرى الفكرة نفسها، مثل إيطاليا وبولندا، حتى أصبحت القارة الأوروبية مدعمة بالمئات من الحضانات. ومع ذلك تمثل ألمانيا المشكلة الكبرى، حيث توفر ما يقرب من 80 «حضانة» للأطفال مجهولى النسب، فى الوقت الذى يؤكد فيه الدستور الألمانى أن جميع المواطنين لهم الحق فى «معرفة أصولهم» وحق الآباء فى أن يكون لهم دور فى تربية الطفل، الأمر الذى دفع بعض المسؤولين الألمان للتأكيد على طرح احتمال وجود إطار قانونى لحل المشكلة، وذلك بحسب ما ذكرته صحيفة «جارديان» البريطانية. وفى معظم الدول التى تتبع هذا النظام يحق للوالدين خلال 8 أسابيع العدول عن قرار التخلى، حيث تتحقق المستشفيات من هويته من خلال بصمات الأصابع المأخوذة من الطفل عندما يتم استرجاعها، وبعد ذلك الوقت، تصبح الدولة تلقائياً مسؤولة قانوناً عن الطفل. وأعربت الأمم المتحدة عن قلقها إزاء انتشار حضانات الأطفال فى أوروبا، حيث يمكن التخلى عن الرضع سرا من قبل الآباء، محذرة من أن هذه الممارسات تتعارض مع حق الطفل فى أن يكون معروفا وأن يتمتع بالرعاية من قبل والديه. وأبدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل انزعاجها من تخصيص حضانات خارج مستشفيات، للأطفال حديثى الولادة غير المرغوب فيهم، مع تنبيه أو جرس لاستدعاء مقدم الرعاية. وفي هذا السياق، ندد عدد من المراقبين بالوضع المزري خاصة أنه بالتأمل في هذا الوضع الذي يعاني منه المجتمع الغربي من الناحية الاجتماعية والأسرية يشعر الإنسان بالنعمة التي يتمتع بها المجتمع الإسلامي على الصعيد الاجتماعي والأسري، حيث أن المحافظة على النسل من المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم المسؤولية رعاية الوالدين للأسرة والطفل مسؤولية عظيمة بقوله صلى الله عليه وسلم: "كلم راع وكلكم مسئول عن رعيته"(متفق عليه). فالطفل يتمتع بحقوق عظيمة في الشريعة الإسلامية هو زينة الحياة الدنيا, وهدية الله على الوالدين, ومنحته لهما, وهو ثمرة الأسرة وأملها في المستقبل, قال تعالى: { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..}(الكهف: 46) وقد أولى الإسلام الطفل عناية فائقة منذ أن كان جنينا في بطن أمه, وحتى يبلغ الرشد. كما أن الشريعة الإسلامية السمحة أوجبت له عدة حقوق تدل في مجملها على اهتمام الإسلام بهذا المخلوق لما له من دور في إعمار الأرض وبناء المجتمع الإسلامي القادر على حماية الإسلامية المتماسكة القوية. وحقوق الطفل حقوق شرعية أثبتها له الإسلام وهي ملزمة للوالدين وللقيم على الشرع في الدنيا وفي الآخرة بحيث إذا فرط الوالدان أو أحدهما فإن الدولة ملزمة بإحقاق هذا الحق, أو القيام بواجب النيابة والرعاية محله. وهذه الحقوق يمكن تقسيمها إلى قسمين: أحدهما يتعلق بالطفل قبل ولادته, وآخر يتعلق بالطفل بعد الولادة. وأهم هذه الحقوق الآتي: ** حقوق الطفل قبل الولادة: 1- حق الطفل في اختيار أم صالحة له: قد دعا الإسلام إلى اختيار الزوجة الصالحة لما لها من دور عظيم في تربية الأولاد وتنشئتهم, لأن التربية أساسا تعتمد على اختيار الزوجة الصالحة الودود, التي تحسن سياسة أولادها, وتعرف كيفية رعايتهم وإعدادهم, وتحرص على غرس الإيمان في نفوسهم, وتهذيب أخلاقهم, وتنشئتهم على مراقبة الله تعالى, ورعاية حقوقه وحقوق عباده, فالزوجة بمنزلة التربة التي تلقى فيها البذور, فإن كانت صالحة, أنبتت نباتا حسنا, فيجب البحث عن الطيبة الصالحة قال تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} (النور: 26). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها, ولجماله, ولدينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك"(رواه البخاري). 2- حق الطفل والجنين: الجنين لغة: هو الولد في بطن أمه وسمي بذلك لاجتنانه أي استتاره. قال تعالى: {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} (النجم: 32), قال القرطبي: "وإذ أنتم أجنة جمع جنين, وهو الولد مادام في البطن, سمي جنينا لاجتنانه واستتاره"(2). وقد جعل الإسلام للطفل حقوقا منذ بدء تكوينه في هذه المرحلة وهو في بطن أمه, فحافظ عليه من الاعتداء, واحتفظ له بحقه في الحياة, فحرم إجهاض الأم الحامل لولدها إلا لضرورة - قررها الفقهاء – وأبعدها عن المشقة الجسدية والنفسية التي قد تؤثر على الجنين لكي لا يتعرض للسقوط, لدرجة أنه أسقط عنها بعض التكاليف الشرعية حال حملها مثل الصيام إذا خافت على نفسها وولدها. و أوجب عدم تنفيذ العقوبة الشرعية على الأم الحامل إذا كانت تضر بحملها كما ثبت ذلك ‘ن رسولنا الكريم صلواتي ربي وسلامه عليه تأكيدا على هذا الحكم في قصته مع المرأة الغامدية التي زنت فحملت من الزنا فقال لها: اذهبي حتى تضعي حملك, كما أوجب الإسلام الدية في قتل الجنين وأوجب له حقوقه المالية من ميراث أو وصية ونحوهما مما فصله العلماء ودونوه في كتب الفقه والأحكام (3). ** حقوق الطفل بعد الولادة: 1- حق الحياة: قد أثبت الإسلام للطفل حقه في الحياة كغيره من المخلوقات, بل حذر الخالق في كتابه العزيز قتل الأولاد لأي سبب من الأسباب, قال سبحانه وتعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} (الأنعام: 14). وقال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا} (الإسراء: 31). 2- حق التسمية: الاسم يدل على صاحبه ويعرف به, وله وقع كبير في نفس صاحبه. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي أبناء أهله وقرابته وأصحابه, ويختار لهم من الأسماء كل ما هو جميل المعنى, طيب الوقع على السمع, بل إنه صلى الله عليه وسلم لم يتوقف عن ذلك, حيث ثبت عنه أنه غير أسماء بعض أصحابه ممن كانوا يحملون أسماء غير حسنة في زمن الجاهلية معتبرا أن إسلامهم ولادة جديدة, ومن هنا أوجب رسول الله صلى ا لله عليه وسلم حق التسمية للمولود فقال: "كل غلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم سابعه ويحلق شعر رأسه, ويسمى"(رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة) (4). فيستحب أن يختار له اسما حسنا في لفظه ومعناه, في حدود الشريعة, وقوالب اللغة الفصيحة, فيحرص على أن يكون اسمها سهلا واضحا, حفيفا عل اللسان, عذبا في الأذان, حسن المعنى, جميلا في المحتوى, ملائما لحال المسمى خاليا مما دلت الشريعة على تحريمه وكراهته. 3- حق الانتساب: من حق الطفل أن ينتسب إلى أبيه وأمه لما يترتب على ذلك من جملة حقوق شرعية كحق النفقة والرضاع والحضانة والإرث وغيرها. وقد أثبت الإسلام حق انتساب الطفل لأبويه حفاظا له من الذل والضياع والعار, كما أثبت ذلك أيضا للأب لكي يحفظ نسله وولده, وأبطل دعاوى الجاهلية في إفساد النسب, وأقر البنوة الشرعية, قال تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} (الأحزاب: 5). 4- حق الرعاية: ويشمل هذا الحق الرضاعة والحضانة والنفقة. ومن تحديد الشريعة لذلك قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ..} (البقرة:233). وقد أوجب الإسلام هذا الحق للطفل حتى في حال انفصال الوالدين, قال تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ..} (الطلاق: 6). أما الحضانة وهي القيام على تربية الطفل ورعاية شؤونه وتدبير احتياجاته فهي حق على الوالدين لطفلهما أو الأقرب فالأقرب. يقول ابن قدامة: "والحضانة ولاية لا تثبت لكافر على مسلم كولاية النكاح والمال, ولأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر أولى لأنه ضرره أكثر لكونه يفتنه عن دينه ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيته عليه"(5). وكما أن النفقة حق واجب أقرته الشريعة الإسلامية للطفل على والديه مادام الطفل صغيرا لا يستطيع الكسب وليس له مورد ليعيش منه. حتى يبلغ سن الرشد إن كان ذكرا وإن كان المولود أنثى فتجب النفقة على والدها حتى تتزوج. قال تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} (الطلاق: 7). وقال تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا..} (البقرة: 233)



منقول من موقع شبكة رسالة الإسلام