في خضم الأحداث الشهيرة لقضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، التي أثارت جدلا واسعا في الشارع المصري، كشف المستشارعبد العزيز الجندي وزير العدل المصري، النقاب عن أن هناك 181مليونا و774 ألف جنيه "أموالا سرية" تلقتها 102 منظمة أهلية في مصر مؤخرا من دول عدة أجنبية وعربية، بعيدا عن رقابة الحكومة، وهو أمر لافت للنظر ومثير للدهشة وذلك لضخامة المبلغ و "النشاطات المشبوهة" لهذه المنظمات.
لا شك أن سرية حسابات “منظمات المجتمع المدني” والتكتم الشديد على مواردها المالية، يزيدان من الشكوك في نواياها، حتى تنكشف من خلال ملابسات أحداث بعينها، وتتضح معها ملامح ميزانيتها، كما حدث في قضية التمويل الأجنبي الأخيرة بمصر، وكشفت عن معلومات مالية خطيرة، عندما أعلن مستشار وزيرالتضامن المصري محمد الدمرداش أمام البرلمان المصري، أن هناك 175 مليون دولار حصلت عليها المنظمات الأهلية الخمس، التي تم إلقاء القبض عليها في القضية الشهيرة بعد الثورة، وهو يعادل خمسة أضعاف المبالغ التي حصلت عليها على مدار السنوات السبع الماضية.
جدير بالذكر أن المنظمات الخمس، التي وجهت لها التهم في قضية التمويل الشهيرة هي: المعهد الجمهوري الدولي، والمعهد الديمقراطي، و”فريدم هاوس” والمركز الدولي للصحافيين، وهذه جميعها أميركية، أما الخامسة فهي منظمة “كونراد أديناور” الألمانية.
وبطبيعة الحال فإن قضية المنظمات الخمس، فتحت الباب على مصراعيه للبحث وراء منظمات المجتمع المدني الموجوة في مصر، ومحاولة اكتشاف أسرار هذا العالم الغامض، في ظل التزايد غير الطبيعي لأعدادها في مصر، وفي ظل الفرص التي ظن أصحابها أنها سانحة لهم.
حيث تكشف تقارير لجان تقصي الحقائق، في أعقاب تلك القضية، عن تزايد أعداد منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في مصر، تحت مسميات مختلفة بعد ثورة 25 يناير، بشكل أصبح ظاهرة لافتة للنظر، لدرجة أن محافظة واحدة فقط في مصر، شهدت تأسيس 350 جمعية أهلية بعد الثورة وهي محافظة الغربية في دلتا مصر، ليصل إجمالي الجمعيات الأهلية فيها 1673 جمعية يعمل أغلبها في مجال حقوق الإنسان، بعد أن كانت مكاتب محامين وتحولت لهذا الغرض.
وتشير الأرقام إلى حصول هذه الجمعيات على تمويل من مؤسسات خارجية عدة، على رأسها الصندوق المصري – السويسري الذي قدم تمويلات لبعض جمعيات تلك المحافظة تصل إلى 36 مليون جنيه. وإذا كانت محافظة واحدة ريفية في مصر تحتوي على هذا العدد الكبير من الجمعيات الأهلية، وحصلت على هذا المبلغ من جهة واحدة خارجية فإن الأمرالصورة العامة تثير القلق، حينما نتكلم عن الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني في أنحاء مصر كافة، وخاصة العاصمة القاهرة، باعتبارها مركز الأحداث التي تهتم بها منظمات المجتمع المدني بصفة عامة.
تبرعات سرية

رغم أن القانون المصري يبيح عمل الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، فإن الجدل يدور حول المنظمات التي تحصل على تبرعات سرية، من دون إخبار الهيئات الحكومة المصرية بها. فقد كشف تقرير لهيئة الرقابة الإدارية المصرية عن وجود ما يقرب من 30 جمعية أهلية مصرية، حصلت على منح وتبرعات سرية من جهات أجنبية، من دون إذن وزارة التضامن الإجتماعي.
وذكر التقرير عددا من تلك الجمعيات مثل “جمعية قضايا المرأة ” و”المؤسسة المصرية لتنمية الأسرة” و”المركز المصري لدعم المنظمات الأهلية” و”مؤسسة عالم واحد” و”مؤسسة المرأة الجديدة” وجمعية “المرأة والمجتمع” وجمعية “سوا للتنمية الاجتماعية” و”الخيرية لرعاية الدواب” و”نشر ثقافة الرفق بالحيوان” و”المصرية لحقوق الحيوان” وغيرها.


د. محمد مرسي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة مصر: أي بلد في الدنيا له قواعد وقوانين وأعراف يجب احترامها، ومنها القوانين التي تحكم العمل الأهلي.. يجب أن تعمل المنظمات في إطارها ولا تخرج على أعرافها، وبالنسبة لمصر، فإن السؤال المثار هو: هل توجد
مثل هذه القواعد الملزمة للمنظمات للعمل بها من عدمه، فهذه المشكلة الأساسية لموضوع التمويل الأجنبي!
وجاء في التقرير أن هذه الجمعيات تتلقى منحا أجنبية في السر، بموجب قرار الكونغرس الأميركي بدعم الجمعيات الأهلية في مصر بشكل مباشر، من دون المرور على الحكومة، وأن القرار الصادر خارج عن نطاق وزارة الخارجية المصرية، ويخص الاتفاقيات الدولية!
كما أشار تقرير الرقابة الإدارية أيضا إلى أن عددا من المؤسسات الأجنبية في طليعة الممولين لهذه الجمعيات، منها منظمة فورد ومكتب دياكونيا، ومنظمة “سيجرد رواتنج” والوكالة الألمانية للتعاون الفني والوكالة الكندية للتنمية الدولية والاتحاد الأوروبي ومنظمة “بلان” الدولية، ومؤسسة “فريدوم هاوس” الأميركية بالقاهرة، وسفارات أستراليا وأميركا ولاتفيا وبريطانيا وفرنسا وفنلندا بالقاهرة. هذا بالإضافة إلى عدد من المؤسسات الأخرى الأجنبية منها: المعهد الديمقراطي الأميركي التابع للحزب الديمقراطي الأميركي و”الأميديست” التابع للحكومة الأميركية مباشرة، ومؤسسة إسرائيل الجديدة ومقرها نيويورك، بجانب مؤسسة “سيدا” الكندية و”سيدا” السويدية و”دانيدا” الدانمركية و”فنيدا” الفنلندية و”تواردا” النرويجية و”توفيت” الهولندية.
وهي كلها تأخذ على عاتقها تمويل الجمعيات الأهلية، التي تعمل في مجال حقوق الإنسان والمرأة والطفل والسكان والبيئة والديمقراطية والأحوال الشخصية وثقافة السلام.
65 مليون دولار

وخلال الفترة الانتقالية التي مرت بها مصر منذ ثورة يناير، وصولا لتولي رئيس جديد، برزت هيئات دولية كبرى أخذت على عاتقها تمويل منظمات المجتمع المدني في تلك الفترة في مجال التوعية السياسية، ومراقبة الانتخابات ودعم الإعلام، بالإضافة للتكريس لظاهرة صحافة المواطن ودعم المدونين والنشطاء السياسيين، ومن هذه الهيئات وكالة التنمية الأميركية بالقاهرة، التي رصدت 65 مليون دولار لتمويل هذه الأنشطة والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة بالقاهرة ومفوضية الاتحاد الأوروبي الذي رصد 8 ملايين يورو.
وهيئات كل من المعونة السويدية والأسترالية ومؤسسة المستقبل بالشرق الأوسط، حيث رصدت هذه الجهات دعما صغيرا يتراوح ما بين 15 و 25 ألف دولار للمنظمات الحقوقية أو التي تعمل في مجال المشاركة السياسية، بينما خصصت المعونة الألمانية وحدها مبلغ 6 ملايين دولار لدعم الإعلام وتدريب النشطاء من الشباب على شبكات التواصل الاجتماعي واستخدامها في دعم صحافة المواطن.
المثير في الأمر، ما كشفته تقارير وزارة التعاون الدولي المصرية من أن المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، على رأس الهيئات والمجالس التي تحصل على منح دولية مباشرة لأنشطته، تتراوح بين 30 و35 مليون جنيه سنويا من جهات متعددة، تشمل هيئة المعونة الأميركية والمعونة الإسبانية والبرنامج الانمائي للأمم المتحدة واليونسكو، ومفوضية حقوق الإنسان، هذا بالإضافة إلى أن المجلس أرسل مقترحات عدة لتنفيذ مشروعاته الجديدة في مجال تدريب المراقبين التابعين للجمعيات الأهلية، وتدريب الاعلاميين والصحافيين وتمويلها من البرنامج الانمائي والاتحاد الأوروبي والمعونة الأميركية.
هذا إلى جانب ما أعلنته آن بترسون السفيرة الأميركية في مصر أمام مجلس الشيوخ الأميركي عن أن 600 منظمة مصرية تقدمت بطلبات للحصول على المنح المقدمة لمنظمات المجتمع المدني، وأنه تم تخصيص 65 مليون دولار للمساعدات المتعلقة بدعم الديمقراطية في مصر، مشيرة إلى أن ذلك يأتي في إطار حفاظ الولايات المتحدة على مصالحها في المنطقة، ودعم الديمقراطية.
وكشفت السفيرة الأميركية بالقاهرة أنه تم إجراء ورشة عمل وتدريب لبعض هذه المنظمات بمحافظة الأقصر في جنوب مصر في الفترة من 15 مارس (آذار) إلى 7 يونيو (حزيران) من عام 2011.
وبطبيعة الحال، فإن مثل هذه الأنشطة تكون مريبة في كثير من الأحيان لما تثيره من مخاوف حول ارتباطها بجهات مخابراتية، فقد كشفت وثائق أميركية منها تقرير الوقف القومي الديمقراطي الأميركي أن هناك تمويلات دفعت لمنظمات مصرية للتحرك داخل شباب الجامعات وتدريبهم على العمل، بينما اعترف ألان وينستاين الموظف في هيئة المعونة الأميركية في لقاء قديم مع جريدة “واشنطن بوست” في عدد 22 سبتمبر (أيلول) 1991 عن أعمال الوقف القومي قائلا: “الكثير مما نقوم به اليوم كان يتم منذ 25 عاما بشكل سري على يد الاستخبارات المركزية الأميركية”! والمعروف أن الوقف القومي الديمقراطي NED قد أسسه الرئيس الأميركي رونالد ريغان في الثمانينات لمساعدة أميركا في كسر النفوذ الروسي في العالم، وثارت حوله شبهات بأنه غطاء لأنشطة معادية ضد الدول المضيفة، وأنه ساعد حتى في إسقاط حكومات منتخبة ديمقراطيا، وأصبح الوقف الأميركي أكثر إثارة للجدل مؤخرا، بعد أن صار مقربا من الحركة السياسية الصهيونية العالمية.
110 سنة و37 ألف منظمة أهلية

جدير بالذكر أن العمل الأهلي بدأ في مصر منذ حوالي ‏110‏ سنة من خلال ثلاث جمعيات نظم عملها التقنين المدني الأهلي حتى صدر القانون رقم ‏32‏ لسنة ‏1964 بتنظيم عمل الجمعيات الأهلية، قبل أن يعدل عام 1972 بالسماح للجمعيات الدينية أيضا بالعمل الأهلي. وفي عام 2002 بلغ عدد الجمعيات الأهلية والمدنية في مصر 34 ألف جمعية، إلا أنه بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، تم تسجيل ثلاثة آلاف جمعية جديدة في أربعة أشهر فقط، ليقترب العدد الإجمالي من 37 ألف جمعية تعمل إما في مجال العمل التطوعي الخيري أو تندرج تحت بند المنظمات الحقوقية والسياسية المدنية.


د. سعد الدين ابراهيم رئيس مركز بن خلدون للدراسات الإنمائية: إذا كانت هناك تمويلات سرية، فليخبرونا بما هو سري فيها، وإلا كيف عرفوها لو كانت سرية! أما الأمر الثاني فهو أن منظمات المجتمع المدني، التي تتلقى تمويلا من الداخل أو الخارج، فتخضع لأربع جهات رقابية أولها الجهاز المركزي للمحاسبات، والجهة الثانية هي مصلحة الضرائب، والثالثة هي مجلس إدارة الجمعية، ثم الجهة الرابعة، وهي الجهة المانحة نفسها
ويرى الخبراء أن القانون المصري الحالي، الذي ينظم عمل هذه الجمعيات، يفرض قيودا شديدة عليها، ما حدا بالكثيرين إلى التحايل بإنشاء شركات مدنية غير هادفة للربح، وقد تلقى بعضها بالفعل أموالا من الخارج بعيدا عن رقابة الجهات المسؤولة في مصر، وكانت نتيجة ذلك دخول ملايين الدولارات والعملات الأجنبية لمصر من دون أن تعلم الدولة عنها شيئا.
وهو ما بدا واضحا في القضية المعروفة بالتمويل الأجنبي التي أثيرت مؤخرا في مصر، والتي كشفت عن نمط جديد لمنظمات المجتمع المدني وهي فروع المنظمات الدولية، مثل بيت الحرية (فريدوم هاوس) والمعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الجمهوري الدولي ومؤسسة كونراد أديناور وجميعها رفضت الخارجية المصرية ترخيصها، ومع ذلك كانت تعمل في مصر منذ سنوات عدة بصورة غير مشروعة.
ومارست أنشطة مكثفة مثيرة للاشتباه بها في ظل الكم الكبير من الأموال التي تقدمه لجهات مصرية، وهو ما دفع فايزة أبو النجا وزيرة التعاون الدولي بمصر للإبلاغ رسميا عن هذه المنظمات وأنشطتها. وأرسلت إلى وزير العدل المصري بتاريخ 7 يوليو (تموز)2011 كتابا متضمنا اكتشافها قيام الحكومة الأميركية متمثلة في هيئة المعونة الأميركية بتقديم مبلغ 40 مليون دولار في الآونة الأخيرة تمويلاً لمنظمات المجتمع المدني المصري غير الحكومية، وكذلك من منظمتي NDI (المعهد الديمقراطي) وIRI (المعهد الجمهوري الأميركي) – الذي يرأسه السيناتور ماكين – الأميركيتين غير المسجلتين وغير المصرح لهما بالعمل في مصر، وذلك لدعم الديمقراطية، حسبما صرحت به السفيرة آن باترسون في القاهرة في جلسة استماع في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي يوم 21 يونيو 2011.
كما تضمنت المذكرة المقدمة من وزارة التخطيط والتعاون الدولي بمصرأيضاً، أن جيمس بيفير مدير بعثة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في القاهرة قد أشار أثناء لقائه مع المسؤولين في وزارة التعاون الدولي في 3 مايو (أيار) 2011 إلى اعتزام بعثة الوكالة الأميركية في القاهرة، تخصيص مبلغ الـ 150 مليون دولار لمنظمات المجتمع المدني وبرامج الديمقراطية، رغم رفض الحكومة المصرية لذلك، حيث قال بيفير إن الوكالة الأميركية غير مسؤولة عن عدم تسجيل المنظمات غير الحكومية الممولة من الوكالة الأميركية في وزارة التضامن والعدالة الاجتماعية، مضيفاً أن مسؤولية التأكد من التسجيل من عدمه، هي مسؤولية الحكومة المصرية.
6 إبريل وآخرون!

لا يعلم كثير من المصريين أن حركة 6 إبريل السياسية، لها أعضاء مشتركون في أكثر من جمعية أهلية متورطة أيضا في الحصول على تبرعات من الخارج، وربما هذا ما يفسر لنا الشعور المصري العام بعدم الارتياح لأنشطة تلك الحركة.
لقد أظهر تقرير لجنة تقصي الحقائق المشارإليه سابقا أيضا، حصول “مركز دراسات المستقبل للاستشارات القانونية ودراسات حقوق الإنسان” الذي أسسه عدد من شباب 6 أبريل، وهم (أحمد صلاح، وأحمد ماهر، وخالد طه وعزت بيدروس بدواني) على دعم 262 ألف دولار تمويلا من مؤسسة فريدم هاوس، ومبادرة الشراكة الشرق أوسطية وهيئة الوقفية الأميركية. وقد نشر موقع “ايجي ليكس” مستندات مهمة، تؤكد توقيع عقد شراكة بين أحمد ماهر ابراهيم رئيس حركة 6 ابريل، ووزارة الخارجية الاميركية.
وينص عقد الشراكة على إنشاء شركة استشارات قانونية تحت اسم “مركز دار المستقبل الجديد للدراسات القانونية والحقوقية”، بالإضافة إلى عقد تمويل من مبادرة الشراكة الشرق أوسطية والتي تقع داخل مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأميركية و”مركز دار المستقبل الجديد للدراسات القانونية والحقوقية” ويتضمن المستند الموقع في 29 مارس 2011 من قبل أحمد صلاح من حركة 6 ابريل دفع مبلغ 14650 دولارا الى “مركز دار المستقبل الجديد للدراسات القانونية والحقوقية”، والذي يشاركه فيه أحمد ماهر رئيس 6 ابريل.
كما نشر الموقع أيضا مستندا يتضمن منح وزارة الخارجية الأميركية، تمويلا من صندوق جائزة المساعدة الفيدرالية في أكتوبر (تشرين الأول) 2010 الى نفس المركز، وقدره 53560 دولار.
وإلى جانب ذلك، فإن الولايات المتحدة الأميركية، مولت مؤسسة أخرى تدعى “المعهد المصري الديمقراطي” بنحو 522 ألف دولار، كما أنه حصل على 48900 دولار من الصندوق الوطني للديمقراطية. علما بأن هذا المعهد عبارة عن شركة مدنية يديرها كل من حسام الدين علي وباسم سمير والناشطة السياسية الشهيرة والمثيرة للجدل وعضو 6 إبريل إسراء عبد الفتاح نائبة رئيس مجلس إدارة المعهد.
جدير بالذكر أن هذا المعهد كان أول منظمة مجتمع مدني يتم استدعاؤها من النيابة العسكرية في عام 2011 للتحقيق حول شبهة التمويل الأجنبي من جهات أميركية وأوروبية باعتراف إسراء عبد الفتاح.
شبكة ابن خلدون!

من بين المؤسسات البحثية التي ينظر لها كثيرون بعين الريبة مركز “ابن خلدون” الذي يديره الدكتور سعد الدين إبراهيم أستاذ الاجتماع السياسي الشهير، الذي تعرض للسجن بسبب نشاط المركز، وذلك على الرغم من تأكيده على صدور أحكام قضائية نهائية برأت المركز من أية تهم.
وكانت تقارير رسمية أشارت إلى 15 شركة ومركزا حقوقيا مولتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومنها: المجموعة المتحدة “محامون – استشاريون” ويديرها نجاد البرعي، حصلت على تمويل بنحو (907 آلاف دولار)، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان (245 ألف دولار)، ومركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف (160 ألف دولار)، والمنظمة العربية للإصلاح الجنائي التي حصلت على تمويل بنحو 2.1 مليون دولار، بالإضافة لمركز ابن خلدون، الذى حصل على (1.4 مليون دولار).

د. أنور مغيث أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة حلوان: رغم ما يثار حول الجمعيات من جدل، إلا أنها مفيدة لأن المجتمع ينقسم إلى دولة بمؤسساتها وأفرادها.. والمجتمع المدني هو الحل الوحيد أمام الأفراد لتنسيق الجهود الجماعية من دون الخضوع لسلطة الدولة.. كلما كانت قبضة الدولة قوية، كان المجتمع المدني بها غير رشيد
كما أعلنت وكالة أنباء “أميركا إن أرابيك ” أن التقرير المالى السنوي للوقف القومي الأميركي للديمقراطية (NED) كشف عن قيامه بتمويل عدد من كبار المنظمات السياسية العاملة في مصر، شملت مركز ابن خلدون والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان وغيرهما. وأوضح التقرير لعام 2005، أن مركز ابن خلدون، حصل على تمويل لأحد مشاريعه السياسية بهدف تأسيس ما يسمى “الشبكة المصرية لدعم الديمقراطية” وهي تحالف واسع لربط وتوحيد مئات “النشطاء والمنظمات غير الحكومية في مصر” هذا إلى جانب حصوله على 65 ألف دولار من المركز الوطني الديمقراطي (ناشونال إنداومنت فور ديموكراسي).
ومن المفاجأت التي فجرتها جريدة “الفجر” القاهرية، ما كتبته عن تقديم رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، تمويلاً للمشروع الذي ينفذه مركز ابن خلدون لمراقبة الانتخابات التشريعية المصرية، والذي حمل اسم “اللجنة المستقلة لمراقبة انتخابات 2011″، بمبلغ 5 ملايين جنيه، حيث استهدف مراقبة سير العملية الانتخابية في 24 محافظة من خلال 5000 مراقب. لكن مؤسسة ساويرس اشترطت عدم ورود اسمها على التقارير الصادرة من المركز، لتكون المرة الأولى التي يتلقى فيها مركز ابن خلدون تمويلاً من داخل مصر لتنفيذ مشروع حقوقي.
حسابات المعاهد الأميركية السرية!

ويعد المعهد الديمقراطي الأميركي من أخطر منظمات المجتمع المدني، التي تعمل بشكل غير قانوني في مصر، وفقا للتقارير الرسمية المصرية التي أفادت بأن المعهد الوطني الديمقراطي، والمعهد الجمهوري الدولي الأميركيين، قد حصلا بعد ثورة يناير على 18 مليون دولار و14 مليونا أخرى على التوالي، لتنفيذ برامج وأنشطة في مصر، مرتبطة بموضوع الديمقراطية، بما يفوق مجموع ما حصلا عليه خلال السنوات الست الماضية بنحو 19 مليون دولار!
وقد كشفت التحقيقات التي أجراها المستشار سامح أبوزيد والمستشار أشرف العشماوى، القاضيان المنتدبان من قبل وزير العدل المصري للتحقيق في قضية التمويل الأجنبي للمنظمات المدنية، عن أن هناك 37 منظمة أميركية غير حكومية حصلت على تمويل قدره 124 مليون و307 آلاف و221 دولارا، بينها 31 منظمة أميركية مخالفة حصلت على تمويل أجنبي قيمته 85 مليونا و509 آلاف و836 دولارا، من بينها منظمة «المعهد الديمقراطي الوطني»، حيث تبين أنه حصل على تمويل قدره 18 مليون دولار في عام 2011 فقط، رغم أنها منظمة مخالفة للقوانين المصرية، لأنها لم تبرم اتفاقية تتيح لها العمل في مصر مع وزارة الخارجية المصرية، وأن إجمالي ما تم صرفه لهذه المنظمة بعد ثورة 25 يناير، يعادل 7 أضعاف ما تم صرفه للمعهد منذ عام 2005 !
وفي تقريرللبنك المركزي المصري، ثبت عند الكشف عن سرية حسابات “المعهد الديمقراطي الوطني” أنه منظمة دولية تأسست في مقاطعة كولومبيا بواشنطن بتاريخ 21 أبريل (نيسان) 1983، بغرض تشجيع المؤسسات الحرة في شتى أنحاء العالم، ورعاية التفاهم الدولي والتواصل والتعاون بين ممثلي الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية، وبين نظرائه السياسيين في الخارج، وتبين أن فرع المعهد في مصر يتعامل مع البنك التجاري الدولي اعتبارا من 21 نوفمبر 2005، ويحتفظ المعهد لدى فرع البنك بحسابين أحدهما بالدولار الأميركي والثاني بالجنيه المصري.
وبتحليل الحسابات بالدولار الأميركي، تبين أنه اعتبارا من 1 يناير 2007 أظهر رصيدا دائنا بمبلغ 118 ألف دولار أميركي، حتى بلغ إجمالي الحركات الدائنة الواردة عليه في 30 سبتمبر 2011 (مليوني دولار أميركي) عبارة عن تحويلات واردة للمعهد من الولايات المتحدة، وبلغ إجمالي مبلغ الحركات المدينة على الحساب 1.6 مليون دولار أميركي، منها 1.3 مليون دولار تحويلات إلى الحساب بالجنيه المصري، والباقي شيكات منصرفة لأشخاص مجهولين. بينما أظهر تحليل الحساب الثاني بالجنيه المصري في 1 يوليو 2007، رصيدا دائنا بمبلغ 21 ألف جنيه، وبلغ إجمالي الحركات الدائنة على هذا الحساب حتى 30 سبتمبر 2011، مبلغ 7 ملايين جنيه تقريبا، عبارة عن تحويلات واردة من حساب المتهمين بالدولار الأميركي، ثم صرفها بموجب شيكات باسم المتهمة ليلى وداد جعفر وآخرين.
ولم تقتصر أموال المعهد عند ذلك فقط، حيث تبين من خلال التحقيقات أن التقرير المبدئي من الإدارة العامة للمعلومات والتوثيق وإدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكات المعلومات قسم المساعدات الفنية، انه بفحص الحواسب الآلية المضبوطة تم التوصل لما يفيد بتلقي “المعهد الديمقراطي الوطني” بالإسكندرية وأسيوط – جنوب مصر- لمبالغ مالية وإنفاقها في معاملات وأنشطة مختلفة في الداخل والخارج، فضلا عن وجود بعض المستندات التي تمس الأمن القومي.
وفي ذات الوقت أفادت مصلحة الضرائب المصرية بعدم وجود ملف ضريبي خاص بالمعهد، وبذلك يكون غير مسجل بمصلحة الضرائب، مما يعد مخالفة لأحكام القانون المصري رقم 91 لسنة 2005.
المنظمة المصرية لحقوق الإنسان

نشأت المنظمة المصرية لحقوق الانسان عام 1985 كفرع للمنظمة العربية لحقوق الانسان باسم “الفرع المصري للمنظمة العربية لحقوق الانسان” وفي عام 1987 قرر المؤسسون إنشاء منظمة مستقلة عن المنظمة العربية باسم المنظمة المصرية لحقوق الانسان تحت التأسيس، مع الاحتفاظ بعضوية المنظمة العربية لحقوق الانسان، وتم التقدم بطلب لوزارة الشؤون الاجتماعية المصرية، وفقا لقانون الجمعيات رقم 32 لسنة 1964، وبعد محاولات عديدة واللجوء للقضاء الإداري على مدار 18 سنة، تم الحصول على الترخيص وإشهار المنظمة المصرية لحقوق الانسان كجمعية أهلية. وهي مسجلة لدى الأمم المتحدة ولديها وضع استشاري باللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.


آن بترسون السفيرة الأميركية في القاهرة لمجلس الشيوخ الأميركي: 600 منظمة مصرية تقدمت بطلبات للحصول على المنح المقدمة لمنظمات المجتمع المدني، وقد تم تخصيص 65 مليون دولار للمساعدات المتعلقة بدعم الديمقراطية في مصر.. كل ذلك يأتي في إطار حفاظ الولايات المتحدة على مصالحها في المنطقة ودعم الديمقراطية.
وهي أيضا عضو في خمس منظمات تتمتع بالصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة، كما أنها عضو بالمنظمة الدولية لحرية الرأي والتعبير والتي تديرها اللجنة الكندية لحماية الصحافيين. وعلى الرغم من الإطار الرسمى القانوني للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، إلا أن الأمور المالية الخاصة بها غير واضحة المعالم، خاصة في ظل ورود اسم المنظمة ضمن المنظمات الحاصلة على تمويلات أجنبية في تقارير عدة منها التقريرالمالي السنوي للوقف القومي الأميركي للديمقراطية (NED) الذي كشف عن حصول المنظمة على ما يعادل مبلغ 240 ألف جنيه مصري في عام واحد، للتعريف بحقوق الإنسان واحترامها في الجامعات المصرية.
كما كشفت إحدى برقيات “ويكليكس”عن تلقي المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، تمويلا أميركيا عن طريق منظمة في المغرب. ونقلت البرقية التي تحمل رقم 09CAIRO748 الصادرة من السفارة الأميركية في القاهرة بتاريخ 30 ابريل 2009 عن حافظ أبو سعدة رئيس المنظمة قوله للسفارة إنه “يجري مناقشات حاليا مع السفارة الهولندية في القاهرة، للحصول على تمويل مشروع لمراقبة الانتخابات البرلمانية”. وقالت البرقية “أدلى أبو سعدة بملاحظة أن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تقبل بشكل روتيني تمويلات من أوروبا، ومن الوقف القومي الأميركي للديمقراطية”!
الكل يقبض.. ولا استثناء

بعد الصندوق الوطني للديمقراطية(NED) أحد المنظمات الأجنبية الكبرى العاملة في مصر، ضمن نشاطها في مختلف أنحاء العالم، ومنذ تأسيسه في عام 1983، ظل الصندوق في طليعة الذين يعملون تحت شعارالنضال الديمقراطي في كل مكان، مع تطوره في الوقت ذاته إلى مؤسسة متعددة الجوانب تعد محورا للنشاط والموارد والتبادل الفكري للنشطاء والباحثين في مجال الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.
وهو مؤسسة خاصة غير ربحية تابعة للكونغرس الأميركي مكرسة لتحقيق النمو وتعزيز المؤسسات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم. وفي كل عام، يقدم الصندوق الوطني للديمقراطية أكثر من 1000 منحة لدعم مشاريع الجماعات غير الحكومية في الخارج والتي تعمل من أجل الأهداف الديمقراطية في أكثر من 90 بلدًا.
وقد كشف الموقع الرسمى للصندوق عن قيامه بتمويل منظمات أهلية متنوعة التخصص والنشاط داخل مصر بما يقرب من مليون ومائة ألف دولار، منها معهد الأندلس لدراسات التسامح ونبذ العنف بمبلغ 48900 دولار، والمؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني بمبلغ 25 ألف دولار، والجمعية العربية لحقوق الإنسان بتمويل 22600 دولار، وجمعية تقدم المرأة والتنمية بمبلغ 20 ألف دولار، وجمعية المحاميات المصريات بمبلغ 22 ألف دولار، ومركز الجسر للحوار والتنمية بمبلغ 25 ألف دولار، ومرصد مراقبة حقوق الإنسان والموازنة والحاصل على 25 ألف دولار، ومركز المساعدة القانونية للمرأة المصرية الحاصل على 34400 دولار، ومركز المشروعات الخاصة الدولي الحاصل على 187569 دولاراً، ومركز الحق للديمقراطية وحقوق الإنسان الحاصل على 19400 دولار، والمركز المصري للحق في التعليم الحاصل على 25300 دولار، ومعهد الديمقراطية المصري 48900 الحاصل دولار، والاتحاد المصري للشباب الليبرالي على 33300 دولار، ومركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية الحاصل على 65 ألف دولار من الصندوق، ومشروع ديمقراطية الشرق الاوسط بالقاهرة على 45300 دولار، ومركز العدل والمواطنة لحقوق الإنسان على 20 ألف دولار والمركز الإقليمي للأبحاث والاستشارات على 20 ألف دولار،، ومركز الدراسات الحضرية على 27 ألف دولار، وجمعية تنمية المرأة الريفية على 20500 دولار، واتحاد المحامين للدراسات القانونية والديمقراطية على 20 ألف دولار. هذا إلى جانب ما قدمه الصندوق من دعم لمؤسسات مصرية إقليمية صغيرة في ربوع مصر النائية، يبلغ حوالى 150 ألف دولار.
أكبر تمويل للسنّة المحمدية

ولم يقتصر الجدل على تمويل تلك الجمعيات الحقوقية أو ذات الصبغة السياسية، إنما امتد الجدل ليشمل جمعيات ومنظمات دينية كبرى.
ففي الوقت الذي انتفض فيه البرلمان المصري بأغلبيته الإسلامية ضد تمويل الجمعيات الأهلية المصرية من جهات خارجية، كانت هناك جمعيات أخرى دينية ينتمى رؤساؤها للتيار الإسلامي كشفت التحقيقات عن تورطها هي الأخرى في الحصول على تمويل أجنبي.
فقد تلقت لجنة تقصي الحقائق الخاصة بقضية التمويل الأجنبي خطاب وزير التضامن والعدالة الاجتماعية المصري المؤرخ في 10 أغسطس (آب) 2011 مرفقا به ملف حول جمعية السنّة المحمدية تضمن نقاطا كثيرة شائكة، منها وجود تمويل مقدم من مؤسسة الشيخ عيد بن محمد آل ثاني من دولة قطر يصل مجموعه إلى مائة وواحد وثمانين مليوناً وسبعمائة وأربعة وعشرين ألفا وأربعمائة وستة وثمانين جنيهاً مصرياً) لصالح جمعية أنصار السنّة المحمدية “المسجلة قانونيا” تمت الموافقة عليه بتاريخ 12/2/2011 من قبل وزير التضامن الاجتماعي السابق الدكتور علي المصيلحي.. هذا بالإضافة إلى حصول ذات الجمعية على تمويل آخر مقدم من “جمعية إحياء التراث الإسلامي” بدولة الكويت، بلغ مائة وأربعة عشر مليوناً وأربعمائة ثلاثة وتسعين ألف وستمائة ثلاثة وأربعين جنيهاً مصرياً)، ليكون مجموع ما تحصلت عليه “جمعية أنصار السنة المحمدية ” وتمت الموافقة عليه بتاريخ 21/2/2011، مائتين وستة وتسعين مليونا ومائتين وثمانية عشر ألفا وثلاثمائة وأربعين جنيهاً مصرياً (وتبين أن مبلغ الـ296 مليون جنيه هو أضخم وأكبر مبلغ يرد في صورة تبرع من الخارج لجمعية أهلية في عامي 2010 و2011 على مستوى جميع مديريات التضامن الاجتماعي في الجمهورية، بل وهو أيضاً أضخم مبلغ يرد (علي الإطلاق) كتبرع في شهر واحد بالمقارنة مع مجموع المبالغ التي ترد لجميع الجمعيـات الأهلية علي اختلاف أنواعها في أي شهر طوال عامي 2010 و2011.

تمويلات سرية لمشاريع مشبوهة

وإذا كان البعض لا يرى شيئا في الأمر، طالما كان بعلم الحكومة المصرية، فإن المثير للجدل في هذا الأمر أن الأغراض المعلن عنها لدي وزارة التضامن بشأن هذه الأموال، هي مساعدة الفقراء وكفالة الأيتام وترميم وإنشاء المساجد، وهي أغراض لا تتفق مع حجم التمويل الوارد إليها، مما يثير الشبهة في نشاط هذه الجمعية وما تم صرفه من هذا التمويل المقدم، كما أن جزءا كبيرا من المبالغ المرسلة تم وضعه تحت بند سمي “قضايا تنموية مختلفة”.
والأغرب من ذلك ما كشفت عنه جريدة الفجر المصرية من أن نشاط المنظمات الخمس الأجنبية، التي تم القبض على أصحابها في قضية التمويل تحول من دعم الحزب الوطني إلى تمويل وتدريب أحزاب أخرى، بعضها ديني، وبلغ إجمالي الأحزاب السياسية التي انتقل لها التدريب والتمويل47 حزبا سياسيا، كان في مقدمتهم حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب النور السلفي.. اللذان حصلا وحدهما على أكثر من 60 في المائة من إجمالى التمويل الأميركي البالغ 55 مليون دولار، كانت تنفق على برامج تدريب سياسي ودعم إعلامي لحشد الناخبين لصالحهما، من خلال أنشطة وورش عمل ودورات تدريبية.
وهو نفس الأمر الذي أكدته المحامية المصرية والناشطة السياسية راجية عمران، وقالت إن المعهد الديمقراطي الأميركي قدم تدريبات سياسية لأحزاب مصرية، من بينها حزب النور وحزب الحرية والعدالة وحزب العدل وحزب المصريين الأحرار. وهو ما يثيرعلامات الدهشة حول الإزدواجية والتناقض في مواقف بعض أنصار التيار الديني الإسلامي من قضية التمويل الأجنبي.
قواعد لازمة

وأمام هذه الحالة من الغموض لأوضاع تلك المنظمات المالية، يثور الساؤل الملح: هل يسمح لها بالتمويل من الخارج أم لا؟ وبتوجيه هذا التساؤل لبعض الخبراء إختلفت الإجابة وفقا للرؤى المختلفة. يقول الدكتور محمد مرسي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة مصر أن أي بلد في الدنيا له قواعد وقوانين وأعراف يجب احترامها، ومنها القوانين التي تحكم العمل الأهلي، ويجب أن تعمل المنظمات في إطارها ولا تخرج على أعرافها، وبالنسبة لمصر، فإن السؤال المثار هو: هل توجد مثل هذه القواعد الملزمة للمنظمات للعمل بها من عدمه، فهذه المشكلة الأساسية لموضوع التمويل الأجنبي! ويضيف أن مكمن الخطورة في عدم وضوح تلك القواعد بما يسمح للمنظمات بالحصول على تمويل بلا رقابة.
وتأتي الخطورة لأن كل منظمة تبحث عن مصلحة الجهة الممولة لها، كما أن الجهات الممولة عادة ما تبحث في مصلحة البلد التي تنتمى إليها، بصرف النظر عن مصلحة البلد الذي توجه له تلك الأموال، رغم استخدام شعارات براقة ورنانة.
ويتوقف الدكتور محمد مرسي عند الجماعات ذات الصبغة الدينية موجها لها انتقادات شديدة، حيث يقول إن الأمر لا يتوقف عند مراقبة الجماعات السياسية والحقوقية فقط، بل يجب مراقبة الجمعيات الدينية أيضا التي تتلقى تمويلات من الخارج تضر بالبلد ويجب أن تكون مراقبة وفق القواعد الصارمة التي نتحدث عنه. وأضاف قائلا أنا أدعو تلك الجماعات التي تتكلم باسم الإسلام، وتتصرف ببراغماتية أن تنحي مصالحها وأهداف أحزابها وجماعاتها جانبا، لتعلي مصلحة البلاد، حتى نخرج من هذه المرحلة التحضيرية للمرحلة الانتقالية التي ستأتي مع تولي رئيس جديد لمصر.
ضرورة لا بد منها

الدكتور أنور مغيث أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة حلوان القاهرية يرى أن نشاط منظمات المجتمع المدني ضرورة لكل الشعوب في مواجهة استبداد الدولة والخروج من قبضتها.
ويقول إنه على الرغم مما يثار حولها من جدل، إلا أنها مفيدة، لأن المجتمع ينقسم إلى دولة بمؤسساتها وافراد، وأن المجتمع المدني هو الحل الوحيد أمام الأفراد لتنسيق الجهود الجماعية من دون الخضوع لسلطة الدولة، وهو لا يعنى أن تكون بالضرورة ضد الدولة، لذا ينبغى السماح لهذه المنظمات بالعمل في إطار من الحرية والشفافية، مع خضوع لدرجة من الرقابة يحددها ممثلو الشعب أنفسهم، من خلال ما يسن من قوانين، مع ملاحظة أن هذه القوانين تتفاوت من بلد لآخر في مستوى التضييق على المنظمات، فهي تكون ميسرة في دول مثل أميركا وفرنسا وألمانيا، بينما تفرض دول أخرى قيودا عديدة، وكلما كانت قبضة الدولة قوية، كان المجتمع المدني بها غير رشيد.
وفيما يتعلق بمسألة التمويل أكد مغيث أن التمويل الأجنبي أمر ضروري للمنظمات ذات الطبيعة الإنسانية أو التي تصب في اتجاه أخلاقي مثل التمويل الذي تتبناه منظمة green earth لرعاية البيئة في العالم، ومن ثم يجب عدم التضييق عليها.
أما المنظمات الأخرى فلا قلق من حصولها على تمويل، طالما أن الأمر يتم في إطار قانون ينظم المسألة، ويضمن شفافيتها.
الصندوق الوطني للديمقراطية (NED)


الصندوق الوطني للديمقراطية – تأسس في عام 1983 بالاشتراك بين الجمهوريين والديمقراطيين وتتم إدارته من خلال لجنة متوازنة بين الحزبين تحظى بدعم الكونغرس الأمريكي من مختلف الانتماءات السياسية. يقوم بنشر معلومات حول جميع منحه وأنشطته على موقعه www.ned.org، ويخضع للرقابة من قبل الكونغرس ووزارة الخارجية و المراجعة المالية المستقلة.
هذه المؤسسة الأمريكية التي مقرها واشنطن مكرسة، بحسب ما جاء في تعريفها على موقعها الالكتروني، لتحقيق النمو وتعزيز المؤسسات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم. وفي كل عام، يقدم الصندوق أكثر من 1000 منحة لدعم مشاريع الجماعات غير الحكومية في الخارج والتي تعمل من أجل الأهداف الديمقراطية في أكثر من 90 بلدًا.
وقد جاء في “بيان المبادئ والأهداف” الصادر عن الصندوق في 1984 رؤيته للديمقراطية التي يرى أنها تنطوي على “حق الشعب في أن يقرر مصيره بحرية”.
وبالتالي “تقتضي ممارسة هذا الحق وجود نظام يضمن حرية التعبير والاعتقاد والإنتماء، والانتخابات الحرة والتنافسية، واحترام حقوق الأفراد والأقليات التي لا يجوز التصرف فيها و حرية وسائل الاتصال، وسيادة القانون”.
ولتحقيق أهدافه يعمل الصندوق الوطني للديمقراطية “على تعزيز نمو مجموعة عريضة من المؤسسات الديمقراطية في الخارج، بما في ذلك الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والأسواق الحرة ومنظمات الأعمال، فضلاً عن العديد من عناصر مجتمع مدني نابض بالحياة يكفل حقوق الإنسان، استقلالية وسائل الإعلام وسيادة القانون”.
للصندوق تواجد في غالب الدول العربية وقدم معونات مالية لعدد كبير من الجمعيات والمؤسسات في الجزائر و البحرين و الكويت و سلطنة عمان و مصر و العراق و الأردن و لبنان و ليبيا و المغرب و سوريا و تونس و فلسطين و اليمن.

المعهد الديمقراطي الوطني (NDI)


المعهد الديمقراطي الوطني – تأسس في عام 1983، مقره واشنطن وله مكاتب ميدانية في كلّ مناطق العالم (125 بلدا ومنطقة) و يساعد أكثر من 13 ألف جمعية أهلية ويعمل، بحسب ما جاء على موقعه الالكتروني www.ndi.org في سبيل “دعم الديمقراطية وتقويتها على نطاق واسع في العالم ويوفر المساعدة العملية للقادة المدنيين والسياسيين، من أجل تنمية القيم والممارسات والمؤسسات الديمقراطية، مستعيناً بشبكة عالمية من الخبراء المتطوعين. ويتعاون أيضاً مع الديمقراطيين في كلّ أنحاء العالم، بهدف بناء المنظمات السياسية والمدنية، وصون نزاهة الانتخابات، بالإضافة إلى تشجيع المواطنين على المشاركة وتعزيز الشفافية والمساءلة في الحكم”.
وبحسب المعهد فإنه “يعتمد النظام الديمقراطي على وجود هيئة تشريعية تمثّل المواطنين وتراقب عمل السلطة التنفيذية، وسلطةٍ قضائية مستقلّة ترعى تطبيق حكم القانون، وأحزابٍ سياسية شفافة وخاضعة للمساءلة (عمل مع 720 حزبا سياسيا ومنظمة في 80 دولة عبر العالم)، وعلى قيام انتخاباتٍ تسمح للناخبين باختيار ممثليهم في مؤسسات الحكم بكلّ حرية”.
وفي إطار الجهود التي يبذلها لمساندة التنمية الديمقراطية، يسعى المعهد الى دعم المؤسسات والإجراءات التي تساعد على إشاعة الديمقراطية ويركز بالأساس على الجمعيات التي تعنى بالمرأة وتأهيلها والدفاع عن حقوقها (75 في المائة من جميع برامج المعهد).
المعهد له ارتباطات مع الحزب الديمقراطي (سياسية وأيديولوجية) لكنه لا يلعب دورا في الانتخابات الأمريكية بعكس دوره في الانتخابات التي تجري في بقية دول العالم حيث يقدّم للأحزاب السياسية (الديمقراطية والليبرالية وأحزاب الوسط بصفة عامة) وهيئات المجتمع المدني المساعدة التقنية في مجال إدارة الحملات المعدَّة لتوعية الناخبين وتنظيم البرامج المعدَّة لمراقبة الانتخابات. ويُعرَف المعهد أيضاً بدوره الريادي في مجال مراقبة الانتخابات في العالم حيث سبق له أن شكّل بعثاتٍ دولية لمراقبة الانتخابات في عشرات من البلدان. له نشاطات في الجزائر و البحرين و الكويت والسعودية و مصر و العراق و الأردن و لبنان و ليبيا و المغرب و تونس و فلسطين و اليمن وموريتانيا وقطر.





المجلة