السماء


نبتدئ أوّلاً في ذكر السماء لأنّها بيت الأجرام ومنها المبتدأ وإليها المنتهى .


يظنّ بعض الناس أنّ السماء طبقة صلبة مادّية تملأ الفضاء وهي سبع طبقات ، بعضها من ياقوتة حمراء والأخرى من درّة بيضاء والأخرى من زبرجدةٍ خضراء وهلمّ جرّاً . وأقول إنّ السماء هي الفضاء لا غير ؛ فقوله تعالى {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً} يعني أنزل من الفضاء ماءً ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة سبأ {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُو الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} ، فقوله تعالى {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} يدلّ على أنّ السماء ليست بطبقة مادّية صلبة ، ولو كانت صلبة لقال : وما يعرج إلَيها، أي يصعد حتّى يصل إليها ، ولكنّه تعالى قال {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} والمعنى كلّما صعد فهو في السماء من مبدأ صعوده حتّى يصل المكان الّذي يريده . ونظير هذه الآية في سورة الحديد وهي قوله تعالى {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُو مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، وقال تعالى في سورة الروم {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء} ، فلو كانت فوقنا طبقة صلبة لقال : فيبسطه تحت السماء كيف يشاء . وقال تعالى في سورة الأنعام {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}، وقال تعالى في سورة الإسراء {أَو يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَو تَرْقَى فِي السَّمَاء}، فقوله تعالى : {أَو تَرْقَى فِي السَّمَاء } دليل على أنّ السماء هي الفضاء ، فلو كانت فوقنا طبقة مادّية صلبة لقال : أو ترقى إلى السماء ، ومن ذلك قول جرير:


فَلَنَحْنُ أكرمُ في المنازلِ منزلاً منكمْ وأطولُ في السماءِ جِبالا


يعني : وأطول في الفضاء جبالا .


فإذاً كلّ لفظة "سماء" في القرآن مفردة معناها الفضاء ، وأمّا إذا كانت على الجمع فلها معانٍ أخرى ، وسنشرح ذلك على التفصيل فيما يلي بعون الله تعالى .


من كتاب الكون والقرآن للراحل محمد علي حسن الحلي ( رحمه الله تعالى )