لم يسبق للبنتاغون أن اعتمد مشروع تسليح بحجم كلفة مشروعه الراهن لتجديد سلاحه الجوي. كما لم يسبق له أن واجه من العوائق والانتكاسات والتأجيل في برامجه العسكرية مثلما واجهه، وما زال، في هذا الخصوص.البلد الذي بلغ آخر ما وصلته التكنولوجيا، يغالب تحدّيات إنجاز مقاتلته الحديثة «إف 35» منذ سبع سنوات من دون أن يحسمها وينتهي منها.
بل انتهى به الأمر إلى وقف التدريبات الجارية عليها، بعد أن اكتشف فيها، أخيراً، عطباً أساسياً في داخل المحرّك هذه المرة.
ومع هذا القرار وسوابقه التي فرضها اكتشاف عيوب خطيرة، تصبح هذه المقاتلة التي قال عنها وزير الدفاع السابق روبرت غيتس: إنها ستكون «العمود الفقري» للقوة الجوية الأميركية، موضع شك متزايد، سواء لجهة موعد وضعها في الخدمة، أم لجهة إنجازها بالمواصفات والقدرات المصمّمة من أجلها.


تساؤلات منطقية
من البداية كانت هذه المقاتلة مثار جدل. تعقيداتها، طرحت التساؤلات حول مدى لزومها وفعاليتها وارتفاع كلفتها. لوبي السلاح لعب كالعادة دوره الفاعل في تسويق نموذجها الذي يتسم بميزات خارقة ومتقدمة جداً.
والكونغرس كالعادة، قابليته مفتوحة لتمويل الأسلحة الجديدة. فمثل هذه الصفقات تعزّز فرص العمل في ولايات أعضائه. ثم تشكل نوعاً من التسليف للمصنع الحربي الذي يقايض الموافقة على تصريف إنتاجه بالتبرعات لحملات النواب وأعضاء مجلس الشيوخ.في هذا الإطار جرى طرحها على أنها طائرة لا يجاريها ولا من المتوقع أن يجاريها أو ينافسها أي خصم جوي مماثل.
وهي تقوم بمهام مختلفة كمقاتلة وقاذفة في آن.
الشركة المنتجة، لوكهيد مارتن، قدّمتها بثلاثة تصاميم لتخدم القوات الثلاث التي تستخدم الطيران الحربي: طراز «إف-35A» لسلاح الجو العادي الذي ينطلق من القواعد الأرضية، و«إف-35B» المخصّصة لقوات المارينز والقادرة على الإقلاع والهبوط عمودياً في أي واحد. ثم «إف-35C» المصممة للعمل من على ظهر حاملات الطائرات.


مسلسل الأعطال
بعد أن رسا عليها الخيار، عقد البنتاغون صفقة شراء 2443 طائرة من النماذج الثلاث، بقيمة نحو 400 مليار دولار. وهو رقم غير مسبوق في المشتريات العسكرية من صنف واحد. وجرى تدشين المشروع عام 2006.
بعد عامين انتهى تصنيع الطائرة الأولى.
كان من المتوقع أن يبدأ التسليم مع نهاية 2010. لكن «لوكهيد» سارعت إلى إعلان التأجيل في ضوء اكتشاف مشكلة في أجنحتها.
ثم كرّ مسلسل الأعطال والنواقص التي راحت تتكشف مع التوغل في فترة الاختبار العملي. منها الأعطال الإلكترونية والضجيج في المحرك والتصميم، إلى أن تبيّن من خلال أعمال الصيانة في الأيام الأخيرة، بأن هناك تصدّعاً في شفرة توربين المحرّك.
عطل جوهري كان له وقع مدوٍ ومحرج للبنتاغون الذي سارع إلى اتخاذ قرار بتجميد التدريب وترك الموجود من المقاتلة رابضاً في قواعده.
وإذ تقول مصادر شركة تصنيع المحرّك «برات أند ويتني»: إن العمل لتصحيح الخلل يجري بالتنسيق مع «لوكهيد» بغية استئناف مهام التدريب والطيران «في أقرب وقت ممكن»، من غير تحديد أي سقف زمني.
التوقعات الآن أن فترة التسليم أُرجئت إلى عام 2015 للنماذج الأساسية. وإلى 2016 للنماذج كاملة التجهيز، على ألا يصبح الطراز العمودي منها جاهزاً قبل 2018. هذا بافتراض أن يجري تصحيح عطل التوربين بصورة تامة ومن دون أن يتسبب ذلك بمشكلات جانبية وضمن مدة قريبة.ذلك أنه في كل مرة كانت تجري فيها معالجة خلل، كان سرعان ما يظهر الخلل التالي. وكأن هناك توالداً لمشكلات ناتجة عن شوائب عضوية قد تضطر «لوكهيد» إلى إجراء تعديلات أساسية في التصاميم.الإمكانات التقنية العالية في الصناعة العسكرية الأميركية تقول: إن أعطال «إف-35» التي تمثل الجيل الجديد من السلاح الجوي، لن تستعصي على التصحيح. ولو بعد تمديد آخر. لكن الطائرة وضعت فوقها علامة استفهام.
تأخرت وتعثرت وتوالت فيها المشاكل، علماً بأن ثمن الواحدة يربو على مئة مليون دولار. ثم هناك الآن ما يسمى بـ«الفجوة» في التسليم، التي تسبب بها مسلسل التأخير والتأجيل، حيث إن الخطط الموضوعة للاستبدال صارت بحاجة إلى إعادة نظر. كذلك هناك الطلبات الخارجية «النرويج وأستراليا وإسرائيل»، التي باتت بحكم المؤجلة، مع ما يتأتى عن ذلك من عدم ارتياح وربما إعادة نظر.
فهذه المقاتلة ــ القاذفة التي برز اسمها بأنها ستكون أهم إنتاج جوي عسكري أميركي، باتت بمثابة خطوة متخبطة، وإن جرى وضعها على مدرج الإقلاع العملاني، في وقت لاحق.