تفسير سورة السجدة من الآية( 23) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :



23 - لَمّا نزل الوحي على النبي (ع) في بادي الأمر وأخبر قومه بذلك كذبوه وأستهزؤوا به وقالوا إنَّ الذي جاء بالوحي هو من الجن وليس من الملائكة . ولم يصدّقه أحدٌ الّا زوجته وابن عمه . فحينئذٍ اعتراه شكٌّ في نفسه وتصاغر فقال : لو كنت نبيّاً حقاً لصدّقتني قريش كلّها وصدّقني غيرهم أيضاً . فنزلت عليه آيات كثيرة تثبت قلبه وتقوي عزيمته ومن جملتها هذه الآية :

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) من قبلك يا محمد كما ألقينا عليك القرآن مع جبرائيل (فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ) أصلها من إلقائه . والمعنى فلاتكن في شك من إلقاء الوحي عليك وإنزال القرآن على قلبك .
ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة النمل {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} ، وقال تعالى في سورة المزمّل {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} ، وقوله تعالى في سورة القصص {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىظ° إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}.
ونظير هذه الآية في المعنى في سورة البقرة قوله تعالى: {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} ، والحق هو القرآن .
وقوله تعالى ( وَجَعَلْنَاهُ) أي الكتاب ، يعني التوراة (هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ) يهتدون بأحكامه إلى طريق الحق
24 - (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً) أي أنبياء (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) أي يرشدون قومهم الى أحكام التوراة بأمرنا (لَمَّا صَبَرُوا) على أذى قومهم (وَكَانُوا) الأئمة ، يعني أنبياء بني إسرائيل (بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) .

25 - (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) أي بين المشركين من بني إسرائيل لأنهم لم يسمعوا لأنبيائهم ولم يعملوا بقول ربّهم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) من تغيير دينهم وإشراكهم بعبادة ربهم .

26 - ثمّ حذّر الله أهل مكة من التقليد للماضين والأجداد فقال تعالى (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ) القرآن ، يعني ألم يبيّن لمشركي العرب وغيرهم؟ والواو من قوله (أولم) للتحذير (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ ) الماضية بسبب كفرهم وإشراكهم وتكذيبهم لرسلنا (يَمْشُونَ) أهل مكة (فِي مَسَاكِنِهِمْ ) يعني يمشون في مساكن القرون الماضية وينظرون إلى آثارهم وقت أسفارهم (إِنَّ فِي ذَ‌ظ°لِكَ ) الإهلاك والتدمير (لَآيَاتٍ) على قدرتنا (أَفَلَا يَسْمَعُونَ) بأخبارهم فيتّعظوا ولا يكونوا مثلهم ؟