ثقافة الحوار مقدمة : كثيرة هي مشكلات أبناء مجتمعاتنا الإنسانية في عصرنا هذا،وما الأكثر منها إلا الصيحات التي تتعالى من هنا أوهناك،والتي تدعوا كل الأطراف المتنازعه للجلوس إلى طاولة الحوار، كسبيل وحيد للخروج من أزمات مجتمعاتهم الإنسانية خوفاً من أن تتفجر الأوضاع العامة في مجتمعاتهم فتسير الأمور إلى مالا تحمد عقباه ، ولكن ماهو الشيئ الذي لا تحمد عقباه ، يقال إنها حروب طاحنة لا تبقي ولا تذر تهدد بإنجرار المجتمعات الإنسانية إلى مآل الزوال والإندثار، كيف لا وكل أسبابها ومسبباتها شاخصة أمام أبصارنا ، هذا المآل الذي يخشاه كل أبناء سيد الكائنات الذين كلفوا بإقامة المجتمعات الإنسانية السليمة من الأذى ، والأمر كله متوقف على حوار الأطراف المتصارعة ، وإذا مادعوا فمنهم من يرفض ومنهم من يشترط . حالات الحوار : 1- الحوار بين طرفين عدوين لدودين لبعضهما البعض. 2- الحوار بين طرفين صديقين حميمين لبعضهما البعض . 3- الحوار بين طرفين لا عدوين ولا صديقين لبعضهما البعض. 1- فعندما يكون الحوار بين طرفين عدوين لبعضهما البعض , يكون حال كل واحد منهما هو ليس مؤمناً بالآخر شكلاً ولا موضوعاً ، عندئذ تكون طاولة الحوار بينهما في هذا المقام هي أشبه ما تكون بحلبة المصارعة التي يحاول فيها كل واحد منهما أن يسقط الآخر بالضربة القاضية , فسرعان ما ينتهي الحوار هذا إلى حوار الملاكمة والملامة ، بدلاً أن ينتهي الحوار إلى حسن التوافق والسلامة , مما يدل على أن كلا الطرفين ليسا مؤهلين تأهيلاً كاملاً للجلوس إلى طاولة الحوار , فلا بد من كلا الطرفين أن يتمتعا بكامل الأهلية الثقافية والحوارية المعتبرة إنسانياُ ، إبتداءً من ثقافة الآخر، وبثقافة التعددية التكوينية للآخر، وميثاق التعددية التكوينية للآخر، وانتهاءً بثقافة الحوارمع الآخر , وهذا ما يؤهل كل الأطراف للجلوس إلى طاولة الحوار بعد أن يؤمن كل طرف بذات الطرف الآخر شكلاً وهو ما يعني الجنوح إلى السلم والإيمان بالرقم التعددي التكويني للطرف للآخر، وهو حجر الأساس الذي يقوم عليه الحوار بين كل الأطراف ، وأن يرفضه موضوعاً على الأقل وهو مادة الخلاف التي يقوم عليها الحوار، فإذا ما آمن كل طرف بالطرف الأخر شكلاً تركت قضية الإيمان بموضوع الطرف الآخر إلى طاولة الحوار بينهما ، مايعني خضوع كل الأطراف لقانون التعددية التكوينية الفكرية للكون اللذين هما يقيمان على أجمل كوكب فيه وهو كوكب الأرض , واللذين هما من المكلفين بإقامة مجتمع سليم من الأذى عليه ، عندها يكونان إنتقلا من مربع العداوة إلى مربع الصداقة , وعندها أيضاً يدفع كل واحد منهما تجاه الآخر بالتي هي أحسن وأفضل وأجمل لينتقلان من مربع العداوة إلى مربع الصداقة الحميمية الشكلية . فكم من صديق حميم نؤمن به شكلاً ونختلف معه ولا نرفضه موضوعاً سواء كان دينياً أو مذهبياً أو قومياً أو فكراً وتوجهاً ولم نوجه له سهام العداوة والبغضاء ، فإذا ما حصلت الصداقة الشكلية فسرعان ما يكون الحوار بين الطرفين هو أقرب إلى الوفاق التوافقي ، أو الإنضمام إلى الطرف الآخر موضوعاً وهو أجمل ثمار الحوار بين الأطراف وفي كل خير . 2- وإن كانا صديقين فينطلقان من مربع الصداقة إلى مربع الصداقة الحميمة ، والمآل تم ذكره في نهاية الحالة الأولى . 3- وإذا كانا لا عدوين ولا صديقين فأول جلسة من الحوار تحدد طريقة الحوار إما باتجاه العداوة أو الصداقة ، والمآلين هما كما ذكر معنا من قبل . و نعود إلى من يرفض الحوار ومن يشترط . إن الذي يرفض الحوار هو غالباً وعادةً ما يأتي من الطرف المهيمن على الطرف الآخر , وإن قبل فيشترط أن يكون الحوار من غير شروط ، وذلك تلبية لنزعة الهيمنة على الآخر والاستعلاء عليه , ونزعة الهيمنة على الآخرهذه تأتي غالبا من خلال العداوة والبغضاء المتغلغلة في أعماق النفس عند الآخر , وهذه العداوة والبغضاء أيضاً تجاه الآخر تأتي من عدم الإيمان بالآخر شكلاً ورفضه موضوعاً ، و بقناعته المترسخة في أعماق نفسه أيضاً بأن وجود الآخر وجوداً فاعلاُ ومتفاعلاً بين جنباته إنما هو تهديداً له ولأمنه ولبقائه ولسلطته ولسلطانه ، فلذلك إعتبره عدوداً لدوداً يستوجب القضاء عليه ، فإن لم يكن كذلك فلا بد من إحكام القبضة والهيمنة عليه إحكاماً دقيقاً وأن يجعله مستقيماً لأمره ، وهذا ما دعاه إلى أن يتدخل في أدق شؤون حياته في كل شاردة و واردة صغيرة كانت أم كبيرة تحت شعار ما يسمى إحلال الأمن والأمان والإستقرار, فالإستقرارالذي لا يكون فيه مهيمناً على كل الأطراف الأخرى هو تهديد له وللأمن الوطني والقومي والأقليمي والعالمي والكوني , ولم يكتف بإحكام القبضة عليه فكرياً وثقافياً وإجتماعياً وسياسياً وإقتصادياً بل ذهب إلى أبعد من هذا الحد وذلك من خلال إقناعه بأن الإنتماء والولاء له إنما هو رمز الوطنية الشريفة ، والقومية العريقة ، ورمزللإستقامة الدينية والأخلاقية ، وبمعارضة يعرف كل خائن لدينه ووطنه وعرضه فهو عدو للوطنية والقومية والإنسانية بل للكون كله فهو يسير بعكس إتجاه دوران هذا الكون فلا يستحق العيش فيه فوجب قتله. الشروط الموضوعية التي يجب أن تتمتع بها كل الأطراف المتحاوره قبل الشروع في الحوار: 1- إيمان الأطراف المتحاورة كلها بأن الحوار هو السبيل الوحيد لتحقيق الأهداف المشروعه إنسانياً وتكوينياً للوصول إلى حلول إما بتبني أحد الأطراف لوجهة نظر الطرف الآخر(وهذا هدفاً حوارياً يحققه على الطرف الآخر ونقطتين ) أو بحلول توافقية تلبي رغبات وحاجات كل الأطراف المتحاورة والمنطلقة من الحقوق التكوينية والإنسانية لأبناء سيد الكائنات وهو الإنسان العظيم . 2- التأهيل المسبق لكل الأطراف بالمؤهلات المؤهلة لشروع الأطراف الراغبة بإجراء الحوار المنشود ، وهي التثقيف بثقافة الأخر ، وثقافة التعددية التكوينية للآخر ، وبميثاق التعددية التكوينية للآخر ، وبثقافة الحوار مع الآخر . 4 - توقيع كافة الأطراف المتحاورة على ميثاق التعددية التكوينية للآخر قبل البدء بالحوار وذلك بحضور الجهة الراعية للحوار . 5 – التخلي عن مبدأ السعي الحثيث للوصول إلى الهيمنة على الآخر بإعتبارها آفة إجتماعية يجب التخلي عنها ونزعها إن وجدت ليكون كل الأطراف متمتعين بكامل الحرية المعتبرة إنسانياً . 6 –التخلي عن آفة الحوار وهي مادة العداوة والبغضاء تجاه الطرف الآخر التي هي وحدها كفيلة بإفشال الحوار بين كل الأطراف وإستبدالها بالصداقة الشكلية مع الآخر لينحصر الإختلاف في مادة الخلاف وموضوعه ومعالجته توافقياً . 7 – البدء في الحوار .
عماد الدين سقاطي