من كتاب فقه المزار
تأليف: د. عبد الهادي الحسيني - الطبعة الأولى

محرمات تُرتكب عند القبوراعلم أن هذه القبور المبنية التي تقصد وتُزار من سائر البقاع يقع عندها كثير من المحرمات، قد جاء القرآن الكريم والروايات المعتمدة بتُنادي بتحريمها والنهي عنها، فمن هذه المحرمات:1.اعتقاد الضر والنفع من قبل الأموات: والله سبحانه وتعالى هو الضار النافع وحده ، قال الله سبحانه وتعالى: " واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهن يُخلقون ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً" [الفرقان:3].وقال سبحانه وتعالى: " والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون ، أموات غير أحياء وما يشعرون أيّضان يُبعثون".[ النحل: 20-21].وقال تعالى: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه". [ الإسراء : 56-57]. وقال أمير المؤمنين عليه السلام في ذكر الموتى: " فهم جيرة لا يجيبون داعياً ولا يمنعون ضيماً ولا يبالون مندبة". [نهج البلاغة: 1/220]. قال عليه السلام واصفاً الموتى أيضاً : " لا في حسنة يزيدون ولا من سيئة يستعتبون" [نهج البلاغة: 2/15].2.اتخاذ أصحاب القبور شفعاء ووسائط تقربهم إلى الله: وهذا قد ذمّه القرآن الكريم بقوله سبحانه وتعالى حكاية عن المشركين : " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى". [ الزمر: 3]. وقال سبحانه وتعالى: " ويعبدون من دون الله ما لايضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله" [ يونس:18]. وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام في وصيته للحسن عليه السلام: " واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكقّل لك بالإجابة وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك، ولم يُلجئك إلى من يشفع لك إليه" . [ نهج البلاغة:3/47].3.دعاء أصحاب القبور والاستغائة بهم من دون الله: وهذا شرك بنص القرآن الكريم؛ قال سبحانه وتعالى: " والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ، إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير" [ فاطر:13-14]. وقال سبحانه وتعالى: " ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين" [ الأحقاف:5-6].وقال سبحانه وتعال: " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً" [ الجن:16]. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " فاسألوا الله به وتوجهوا إليه بحبه، ولا تسألوا به بخلقه، إنه ما توجّه العباد إلى الله بمثله". [ نهج البلاغة: 2/91-92].وقال عليه السلام في وصية للحسن عليه السلام: " وألجىء نفسك في الأمور كلها إلى إلهك ، فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان" . [نهج البلاغة: 3/39-40].وعن الباقر عليه السلام أنه قال : " اتخذ الله عز وجل إبراهيم خليلاً لأنه لم يرد أحداً ولم يسأل أحداً غير الله عز وجل". [ علل الشرائع:34، عيون أخبار الرضا: 2/75].وذكر إبراهيم بن محمد الهمداني قال : " قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام : لأي علة أغرق الله عز وجل فرعون وقد آمن به وأقرّ بالتوحيد؟ قال : أنه آمن عند رؤية اليأس وهو غير مقبول.. إلى أن قال: ولعلة أخرى أغرق الله عز وجل فرعون وهي أنه استغاث بموسى لما أدركه الغرق ولم يستغث بالله ، فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى ، ما أغثت فرعون لأنك لم تخلقه ولو استغاث بي لأغثته" [ علل الشرائع: 59، عيون أخبار الرضا: 2/76].4.الذبح والنذر للقبور وأصحابها: وهذا يدخل فيما أُهلّ به لغير الله، قال الله سبحانه وتعالى : " إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهل به لغير الله" [ البقرة: 173].وقال عز وجل: " وجعل لله مما ذرأ من الحرث وألأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وكان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون". [ الأنعام: 136].وعن محمد بن سنان أن أبا الحسن الرضا عليه السلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله : " حرم ما أهل به لغير الله الذي أوجب على خلقه من الإقرار به وذكر اسمه على الذبائح المحللة، ولئلا يساوي بين ما تقرب به إليه وما جعل عبادة للشياطين والأوثان، لأن في تسمية الله عز وجل الإقرار بربوبيته وتوحيده، وما في الإهلال لغير الله من الشرك والتقريب إلى غيره، ليكون ذكر الله وتسميته على الذبيحة فرقاً بين ما أحل الله وبين ما حرم " [ علل الشرائع: 481-482، عيون أخبار الرضا: 2/91].5.الحلف بأصحاب القبور من دون الله : فعن الصادق عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأكل جنباً" . وذكر جملة من المناهي ثم قال: " ونهى أن يحلف الرجل بغير الله وقال: من حلف بغير الله فليس من الله في شيىء".[ مكارم الأخلاق: 466].قال شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي: " اليمين المنعقد عند آل محمد صلى الله عليه وسلم هي أن يحلف الإنسان بالله تعالى أو بشيء من أسمائه أي اسم كان، وكل يمين بغير الله أو بغير اسم من أسمائه فلا حكم له ، ثم قال: ولا يجوز لأحد أن يحلف بالقرآن ولا بوالديه ولا الكعبة ولا النبي ولا بأحد من الأئمة عليهم السلام، فمن حلف بشيء من ذلك كان مخطئاً ولا يلزمه حلف اليمين" . [النهاية: ص555].ملاحظة: يجوز الحلف بالقرآن لأنه صفة من صفات الله عز وجل ، قال عماد الدين الطوسي المشهدي: " ولا يجوز اليمين بغير الله" . [ الوسيلة إلى نيل الفضيلة:ص415].6.الطواف بالقبور: فعن أبي عبد الله قال:" لا تشرب وأنت قائم، وتطف بقبر، ولا تبل في ماء نقيع، فإنه من فعل ذلك فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه، ومن فعل شيء من ذلك لم يكن يفارقه إلا ما شاء الله".[علل الشرائع: 283، وسائل الشيعة: 10/450] . وقد بوّب الحر العاملي في كتابه " وسائل الشيعة" باباً قال فيه: " باب استحباب الدعاء بالمأثور عند زيارة القبور وعدم الطواف بالقبر". [ وسائل الشيعة: 2/882]. وقال: " باب عدم جواز الطواف بالقبور".[وسائل الشيعة 1/450].7.اللطم وضرب الخدود والصدور: عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ضرب المسلم يده على فخذه عند المصيبة إحباط لأجره".[ فروع الكافي: 3/224، وسائل الشيعة:2/914].وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال : قلت له: ما الجزع؟ قال : " أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر وجز الشعر من النواصي ، ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقة، ومن صبر واسترجع وحمد الله عز ودل فقد رضي بما صنع الله ووقع أجره على الله ، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم وأحبط الله أجره". [ فروع الكافي: 3/222-223، وسائل الشيعة:2/915].وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : " ثلاثة لا أدري أيهم أعظم جرماً: الذي يمشي خلف جنازة في مصيبة بغير رداء ، والذي يضرب على فخذه عند المصيبة، والذي يقول ارفقوا وترحموا عليه يرحمكم الله . [ وسائل الشيعة: 2/678 وغيره].8.الاختلاط : ويحدث كثيراً عند هذه القبور المبنية قترى الرجال والنساء مختلطين بعضهم ببعض اختلاطاً فاحشاً، خصوصاً عند الطواف حول القبر بأعداد كبيرة في هذه المكان الضيق، فترى الرجل ملاصقاً للمرأة والمرأة ملتصقة به. ومعلوم أن مثل هذا يولد الشهوات ثم يؤدي إلى ارتكاب الفواحش من زنا وغيره، ومن شاهد ما يحدث هناك علم بصدق ما نقول. واعلم أن المخالفات والمنهيات التي تحدث عند القبور كثيرة ولكننا اقتصرنا على ذكر بعضها لعل الغافل أن ينتبه والنائم أن يستيقظ والضال أن يهتدي، والله المستعان.