حواسّ النفس


قلنا فيما سبق أنّ النفس لَها حواسّ وأعضاء كما للجسم إلاّ أنّها أثيرية ، وأقول أيضاً أنّ حواسّ النفس لَها أسماء خاصة غير الأسماء التي لحواسّ الجسم ؛ مثلاً إنّ فم الجسم يسمّى فم ولكنّ فم النفس يسمّى (فاه) ، وإنّ عين الحسم تسمّى عين ولكنّ عين النفس تسمّى (بصر) ، وإنّ أذن الجسم تسمّى (أذن) ولكنّ أذن النفس تسمّى (سمع) ، وإنّ قلب الجسم يسمّى قلب ولكنّ قلب النفس يسمّى (فؤاد) .
قال الله تعالى في سورة السجدة في قصّة آدم {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} فقوله تعالى{ثُمَّ سَوَّاهُ} أي سوّى جسمه وأكمل خلقه ، ثمّ قال {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} وبعد ذلك قال {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} فانظر أنّه سبحانه لم يقل : وجعل لكم الآذان والعيون والقلوب ، لأنّه خلقه كامل الأعضاء بقوله {ثُمَّ سَوَّاهُ} ، والمعنى : حعل لنفسه آذاناً وعيوناً وقلباً كما جعل لجسمه ، وكذلك لَمّا خلق أجسامكم وأنشأ فيها النفوس جعل لَها أذاناً وعيوناً وقلوباً كما جعل للأجسام .
وقال تعالى في سورة المؤمنون {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} ، فقوله تعالى {أَنشَأَ لَكُمُ } يعني أنشأ لنفوسكم ، لأنّ المخاطب بذلك النفوس فهي الإنسان الحقيقي ، والسمع أذن النفس ، والبصر عين النفس ، والفؤاد قلب النفس .
وقال تعالى في سورة الملك {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} ، فقوله تعالى {أَنشَأَكُمْ } يعني أنشأ نفوسكم وجعل لَها السمع والأبصار والأفئدة ، والدليل على ذلك قوله {أَنشَأَكُمْ } ولم يقل خلقكم فالخلقة يريد بِها خلقة الأجسام ، أمّا الإنشاء فيريد به تأليف النفوس من ذرّات أثيرية .
وقال عزّ من قائل في سورة النحل{وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، فقوله تعالى {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } ينبغي أن يكونوا كاملي الخلقة فلهم عيون وآذان وقلوب لأنّ الطفل لا يخرج من بطن أمّه إلاّ وهو كامل الخلقة فكيف يقول بعد خروجه {وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ } إذاً يريد بذلك حواسّ النفس ، والمعنى يكون هكذا : وبعد خروجكم من بطون أمّهاتكم جعل لنفوسكم سمعاً وأبصاراً وأفئدةً لعلّكم تشكرون . وقال تعالى في سورة الأحقاف {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ ...الخ}
ومِمّا جاء في أعضاء الجسم قوله تعالى في سورة الحج{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ...الخ} ، فانظر هنا سمّاها سبحانه قلوباً وآذاناً وهناك سمّاها أفئدةً وأسماعاً ، لأنّه هناك يريد بِها الحواسّ الأثيرية التي للنفوس وهنا يريد بِها الحواسّ المادّية التي للأجسام ، والمعنى أنّهم كالأموات لَهم قلوب ولكن لا تعقل ولهم آذان ولكن لا تسمع . وقال تعالى في سورة الأعراف {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} . وقال تعالى في سورة نوح عن لسان نوح {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ ...الخ} ، فذكرها هنا بلفظة (آذان) ولم يسمّها (أسماع) لأنه يريد بِها آذانهم المادّية حيث وضعوا أصابعهم فيها . وقال تعالى في سورة المائدة {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ...الخ} ، فهنا سمّاها سبحانه عيناً وأذناً ولم يسمّها بصراً وسمعاً لأنّه يريد بِها الأعضاء المادّية التي للجسم لأنّ الحواسّ الأثيرية لا يعتريها خلل فيكون في حكمها قصاص . وقال تعالى في سورة الأحزاب {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ...الخ} فهنا قال تعالى {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ} ولم يقل : تدور أبصارهم ، لأنّه يريد بِها أعينهم المادّية التي للأجسام . وقال تعالى في سورة السجدة {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ...الخ} . وقال تعالى في سورة البقرة {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ} فهنا أيضاً سمّاها آذاناً ولم يسمّها أسماعاً لأنّه يريد بذلك أعضاء الجسم .

بيان : سأل الإمام علياً (ع) رجلٌ اسمه دعلب قائلاً : "هل رأيت ربّك ؟" فأجاب الإمام : "إنّ الله لا تراه العيون بمشاهدة الأبصار ...الخ" ، فهنا دليل على أنّ الأبصار غير العيون ، فالعيون لا ترى إلاّ بمشاهدة الأبصار ، فتكون المشاهدة للبصر لا للعين .
من كتاب الانسان بعد الموت
لمفسر القران محمد علي حسن الحلي
الطبعة الثانية مطبعة المعارف- بغداد 1964