حادثة إغماء
وإليك حادث أخر أذكره عن كتاب "الأرواح" للشيخ طنطاوي جوهري في صفحة 16 قال : "روى الدكتور جيبيه في كتابه (تحليل الأشياء) ما يأتي تعريبه : حدّثني شابّ له من العمر ثلاثون سنة نقّاش ماهر في صناعته قال : دخلت منذ أيام منزلي نحو الساعة العاشرة ليلاً وقد اعتراني نوع غريب من الإعياء فأوقدت المصباح ووضعته على مائدة بالقرب من سريري ثمّ أشعلت سيكارة وتمدّدت على مقعدي قصد الاستراحة . وما كدت أسند رأسي إلى ظهر الكرسي حتّى شعرت بالأشياء المجاورة أخذت تدور من نفسها واعترتني دوخة شديدة انتقلت على أثرها فجأة ومن دون انتباه إلى وسط الغرفة فعجبت لِهذا الانتقال الغريب . ولا تسل عن اندهاشي لمّا نظرت إلى ما حولي فرأيت جسمي متمدّداً على المقعد برخاوة ويساري مرفوعة على رأسي والسيكارة بين أصابعها . ففي أوّل وهلة ظننت نفسي نائماً وأنّ ما أراه حلماً وإذ لاحظت بعد هنيهة أنّي لم أرَ قطّ حلماً واضحاً كهذا خلتُ نفسي ميّتاً ، وإذ ذاك خطر على ذهني ما كنت سمعته عن وجود الأرواح وقلت في ذاتي أنّي أصبحت روحاً وتذكّرتُ كلّ ما قيل لي في هذا الموضوع وأسفت بمرارة على نهاية حياتي قبل إكمال بعض أعمالي . ثمّ دنوت من جسمي الذي كنت أخاله جثّة فرأيت فيه من حركة التنفّس ما نبّه خاطري ونظرت إلى صدره فعاينت القلب من داخله يطرق بنظام طرقات ضعيفة فتأكّدت حينئذٍ أن قد اعتراني إغماء غريب في بابه وقلت في نفسي إن من يُغشى عليهم لا يتذكّرون ما يصيبهم وقت الإغماء وخفت أن أفقد ذكر ما أراه بعد إفاقتي من الغشيان . وإذ أمنت قليلاً أمر الموت صرفت ذهني إلى ما حولي وتغاضيت عن جسدي الراقد على المقعد فنظرت إلى المصباح وإذ رأيته مشتعلاً بالقرب من سريري خفت على الستائر أن تلتهب بفعل الحرارة فقصدت أن أطفئ المصباح فأمسكت زرّ الفتيلة وعبثاً حاولت برمه مع أنّي كنت أشعر جيّداً بدقائق الزرّ بين أصابعي ولكنّي لم أقوَ على تحريكه بتاتاً . ثمّ صرفت نظري إلى نفسي فرأيت ذاتي كأنّي متّشح بلباس أبيض ويدي تخترق جسمي بسهولة وإذ وقفت تجاه المرآة فبدلاً من أن أرى صورتي مرتسمة عليها شعرت بنظري يمتدّ إلى ما وراءها فرأيت الجدار ومؤخّر الصور والأمتعة الموجودة في غرفة جاري مع أنّه لا وجود للنور فيها ؛ إنّما كنت أستضيء بشعاع نور ينبعث من صدري وينير الأشياء الواقع نظري عليها . فخطر ببالي أن أدخل غرفة جاري التي لم أرها قطّ قبلاً وهو كان متغيّباً وقتئذٍ عن باريس فما كدت أشعر برغبتي هذه حتّى عاينت نفسي داخل الغرفة ولا أدري كيف تمّ هذا الانتقال السريع ، إنّما على ظنّي اخترقت الجدار كما اخترقه نظري . فأخذت أتجوّل في مخادع جاري لأوّل مرّة وأحفظ في ذهني ما أراه فيها ثمّ دخلت مكتبته وقرأت أسماء بعض كتب موضوعة على الرفوف وكلّما قصدت الانتقال من مكانٍ إلى آخر كنت أصير حيثما أرغب بلمح البصر وبمجرّد إرادتي . ومنذ ذلك تشوّهت أفكاري وما عدت أذكر شيئاً ، فقط أعلم أنّي كنت أنتقل إلى أماكن بعيدة جداً إلى إيطاليا على ما أظنّ ولكن لست أدري ما رأيت وعملت فيها إذ لم يعد لي سلطة على ضبط أفكاري وهي تنقلني حيثما توجّهت قبل أن أتولّى زمامها ؛ فحمقاء المنزل كانت تقود وقتئذٍ معها المنزل إلى أن صحوت الساعة الخامسة صباحاً وأنا متوسّد المقعد بارد الجسم متشنّج الأعضاء وسيكارتي بيدي مطفأة . فقمت إلى سريري واعتراني نفاض مزعج نمت على أثره بضع ساعات وما استيقظت إلاّ ضحى النهار . واستنبطت في ذلك اليوم حيلة للدخول مع البوّاب إلى منزل جاري فتفقّدت الصور والأثاث وأسماء الكتب فرأيت كلّ هذا طبق ما عاينت وقت الإغماء إلاّ أنّي لم أكلّم أحداً بالحادثة حذراً من أن ينسبوا لي الجنون أو الهذيان ." انتهى .

من كتاب الانسان بعد الموت لمفسر القرآن المرحوم محمد علي حسن الحلي