تفسير الآية الكريمة : ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)

من كتاب المتشابه من القرآن  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) هو المطر أنزله على الجبال (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) أي سالت المياه إلى الأودية بقدر ما فيها من جبال (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ) أي فحمل الماء الذي سال من الجبال وإنّما قال تعالى (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ) ، لأنّه حملٌ وسيل من الجبل إلى الوادي ، لأنّ الزبد هذا ثقيل لا يطفو فوق الماء بل يندفع [وينجرف] بواسطة السيل من الجبال إلى الوادي . (زَبَدًا رَّابِيًا) أي نامياً75، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الروم {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّه} ، يعني فلا ينمو عند الله. و"الزبَد" هو الصدف والمحار وكبريتات الكالسيوم وكربونات الكالسيوم وكبريتيد الحديد الذهبي وغير ذلك مما يتكوّن في الأرض ويتكاثر من اتّحاد عنصرين، ويحمل السيل أيضاً الأحجار الملوّنة والأحجار الكريمة كالعقيق والفيروز "شذر" وغير ذلك (وَ) يحمل السيل أيضاً (مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ) هو كبريتيد الفضة، والحلية هي أدوات الزينة كالأساور والقلائد والخلاخيل والأقراط والخواتم وغير ذلك ، وكان الناس قبلاً لا يعرفون تعدين الفضة من خاماتها سوى هذه الطريقة : وهي أن يحفروا حفرة في الأرض فيضعوا فيها كبريتيد الفضة76 ثم يوقدوا عليه النار فيتطاير الكبريت بعد أن يتحول بتسخينه إلى غاز ثاني أوكسيد الكبريت وتبقى الفضة في الحفرة فيأخذونها ويعملون منها أدوات الزينة (أَوْ) يوقدون عليه ابتغاء (مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ) هو كبريتات الكالسيوم وكربونات الكالسيوم فإذا أوقدوا عليه النار صار أوكسيد الكالسيوم ، وهو الجص والجبس والنورة ، فيستعمل الأول للبناء ، والثاني للقوالب ولتضميد الكسور في المستشفيات ولأشياء أخرى ، والثالث يستعمل لتحضير الصوداالكاوية والمسحوق القاصر "كلورين" وأشياء أخرى ، وكلها للمتاع ، أي لأشياء يتمتّع بها الإنسان ويستفاد منها وفوائدها كثيرة . ومما يوقدون عليه النار للمتاع أيضاً هو الكاؤولين وهو الطين الأبيض تصنع منه الأواني الخزفية (كَذَ‌ٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) أي كذلك يضرب الله الأمثال بالحق والباطل ، فالحق هو دين الإسلام ، والباطل هو دين المشركين (فَأَمَّا الزَّبَدُ) وهو الكبريت (فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي يذهب أدراج الرياح بالتسخين وهو غاز تجفاه الطباع وتكرهه النفوس لأنّه سام وكريه الرائحة يضيق صدر من يستنشقه ويشتد به السّعال وإذا كان الغاز كثيراً يسبب الموت ، وتبقى الفضة خالصة من الشوائب لامعة تجذب الأنظار ذات قيمة وفوائد كثيرة .

فإن الله تعالى ضرب مثلاً لدين المشركين بغاز ثاني أوكسيد الكبريت الذي هو سامّ لمن يستنشقه وكريه الرائحة ، ثمّ لا يلبث أن يزول بالتسخين عن الفضة ويذهب أدراج الرياح . وضرب مثلاً لدين الإسلام بالفضة النقية من الشوائب الثابتة على الأرض التي تستعمل للزينة . والمعنى أنّ دين المشركين من العرب سيزول كما يزول الكبريت عن الفضة بالتسخين ، أما دين الإسلام فسيبقى في الأرض ثابتاً لامعاً ذا فوائد كثيرة لمن اعتنقه ( وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَ‌ٰلِكَ) أي مِثل هذا المثَل (يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) للناس لعلّهم يهتدون إلى طريق الحق .

تفسير الآية التالية : الآية رقم 18 من سورة الرعدالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 16 من سورة الرعد



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم