تفسير الآية الكريمة : ( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ۖ وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ)

من كتاب الأنسان بعد الموت  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

 



 

 




 



   إنّ الجنان التي ندخلها يوم القيامة هي أثيرية وليست بِمادية لأن التي تدخلها هي النفوس لا الأجسام ، وموقعها في الفضاء ، وهي سبعٌ فإذا صار يوم القيامة تكون ثمانية , وقد سبق الكلام عنها في كتابنا (الكون والقرآن) بعنوان (السماوات الأثيرية) ، وهنّ الحاملات للعرش وهنّ الملقّبات بالكرسي ، فقد جاء في مجموعة التوراة في صحف إشعيا النبيّ في الإصحاح السادس والستين قال : ((هكذا قال الربّ : السماوات كرسيّي والأرض موطئ قدمي )) ، فالسماوات هنا يريد بِها الطبقات الأثيرية .



   والجنان الأثيرية باقية لا تفنى ولا تزول إلى الأبد ولا يعتريها عارض ، والجنان لا يعلم الناس موقعها ليدخلوها ولكنّ الله تعالى يرسل ملائكته فيرشدون المؤمنين إليها .



قال الله تعالى في سورة الأعراف {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فقوله تعالى {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} يعني يقولون إذا دخلوا الجنة : الحمد لله الذي أرشدنا إلى طريق الجنة فدخلناها وما كنّا لنهتدي إلى طريقها لولا أن هدانا الله إليها .



وقال تعالى في سورة الفاتحة {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} يعني أرشدنا إلى الطريق المستقيم الذي يوصلنا إلى الجنة ، ولذلك قال بعدها {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} ، فالذين أنعم عليهم هم أهل الجنة ، وذلك كقوله تعالى في سورة النساء {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} .



وقال تعالى في سورة يونس {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} ، فقوله تعالى {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} يعني يهديهم إلى طريق الجنة بسبب إيمانهم بالله وتصديقهم بمحمّد (ع) .



   وقال تعالى في سورة الإنسان {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} أقول كيف يعيش الإنسان بلا شمس وهي حياة الإنسان ولكن النفوس هي التي تدخل الجنة دون الأجسام فلذلك قال سبحانه {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} وذلك لأنّ النفوس تتأذّى من شعاع الشمس وحرّها وكثرة ضيائها ، والمعنى لا يرون في الجنّة شمساً ولا قمراً ولا يصيبهم فيها حرٌّ ولا برد ، فالقمر بلغة طي يسمّى " زَمْهَرِيرًا " ، وفي ذلك قال شاعرهم :



وليلةٍ ظلامُها قدِ اعْتَكَرْ          قَطَعتُها والزمهريرُ ما زَهَرْ



وإنما كانوا يسمّون القمر زمهريراً لأنّهم كانوا يظنّون أنّ البرد يأتي من القمر كما أنّ الحرّ يأتي من الشمس .



وقال تعالى في سورة البقرة {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فقوله تعالى {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} يعني الذي رُزِقوا به في الدنيا وجدوه أمامهم في الجنة ، لأنّ كلّ ثمرة لها روح فإنّهم أكلوا المادّيات في دار الدنيا فوجدوا الأثيريات في الجنة فقالوا {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} ، وأمّا قوله تعالى {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} يعني مطهّرة من الحيض والبول والغائط لأنّها أثيرية .



وقال تعالى في سورة الرعد {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} فقوله تعالى {أُكُلُهَا دَآئِمٌ} يعني ثمرتها موجودة دائماً فهي لا تفسد ولا تنفد لأنّها أثيرية .



وقال تعالى في سورة مريم {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا} فلماذا يقول {نُورِثُ} لأنّ الأشجار التي كانت للكافرين في دار الدنيا يعطيها الله للمؤمنين في الآخرة فتكون إرثاً لهم ، وذلك لأنّ الأشجار لها أرواح كما للناس نفوس .



وقال تعالى في سورة المؤمنون {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يعني يرثون ما كان للكافرين في دار الدنيا وهو الأثيري منه لا المادّي .



وقال تعالى في سورة الزخرف {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} .



وقال تعالى في سورة الصافات {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ . إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} فلماذا لا يموتون ؟ لأنهم أثيريون .



وقال تعالى في سورة الدخان {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}



وقال عزّ مِن قائل في سورة محمد {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ..إلخ} فقوله تعالى {لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} لأنه أثيري فلو كان مادّياً لتغيّر طعمه .



   والخلاصة إنّ الجنة أثيرية وأشجارها أثيرية وسكانها أثيريون وحورها بنات أهل الدنيا وولدانها أولاد أهل الدنيا أي نفوسهم الأثيرية , فأولاد الكافرين الذين يموتون قبل بلوغ الرشد يكونون خدماً لأهل الجنة وكذلك البنات ، وأما بنات المؤمنين فهنّ الحور يتزوّج بهنّ أهل الجنة ، وأمّا أطفال المؤمنين كلٌّ منهم يبقى عند أبويه في الجنة يأنسون بهم ويلاعبونهم ، وذلك لأنّ نفوس الأطفال لا تكبر بعد انفصالها من الأجسام بل تبقى على ما كانت عليه وقت مماتها . قال الله تعالى في سورة الزخرف {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} يعني أزواجهم التي كانت معهم في دار الدنيا . وقال تعالى في سورة الطور {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} يعني من أولاد أهل الدنيا يكونون غلماناً لأهل الجنة .



   والخلاصة أنّ موقع الجنان في السماء لا في الأرض وهنّ أثيريات لا مادّيات ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} فبيّن سبحانه أنّ الجنة لا يدخلها أحد إلاّ بعد أن تفتح له أبواب السماء ، والسماء هنا يريد بِها الطبقات الغازية .



وقال تعالى في سورة القمر {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} يعني عنده في السماء .



وقال تعالى في سورة الحاقة {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} يعني في الفضاء .



وقال تعالى في سورة القلم {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } يعني عنده في السماء . وقال تعالى في سورة الرعد {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا ..إلخ} فقوله تعالى {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} دليل على أنّها ليست في أحد الكواكب السيارة ، فلو كانت الجنة أرضاً كأرضنا لكان الظلّ منتقلاً عليها ولم يكن دائماً , ولو فرضنا أنّ ذلك يكون حين وقوف الأرض عن دورتها المحورية فيكون الظلّ فيها دائماً غير متنقّل إذاً لأصبحت جحيماً وليست بنعيم وذلك في الجهة التي تكون مقابلة للشمس ، وأمّا الجهة التي تكون بعكس الشمس فإنّها تصبح زمهريراً لشدّة البرد فيها ، إذاً الجنة لا تكون على أرضٍ من الأراضي بل هي في السماء .



 



====================================================================



قلنا فيما سبق أنّ النباتات والأشجار والأثمار لَها أرواح كما للإنسان والحيوان أرواح ، فإذا قُطِعت شجرة من الأشجار في دار الدنيا وماتت فإنّ روحها لا تموت بل تبقى حية على مدى السنين والدهور ، وهي غضّة مثمرة كثيرة الأغصان مملوءة بالأثمار ، لا تتساقط أوراقها ولا تنفد أثمارها ، لا تحتاج إلى سماد ولا ماء ولا يميتها برد ولا داء ، فهذه الأشجار الأثيرية تنتقل إلى عالم الأثير ، فكلّ شجرة طيّبة تذهب بِها الملائكة إلى السماء فتكون من أشجار الجنة ، وهي التي يكون ثمرها طيّباً أو رائحتها زكية كأشجار الورد والرياحين ، فيتمتّع بِها أهل الجنة ويأكلون من ثمارها ويجلسون في ظلّها ويأنسون بمنظرها . قال الله تعالى في سورة إبراهيم َلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} فقوله تعالى {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} يعني أصلها ثابت في الأرض , ويريد بذلك الشجرة المادّية لأنّها باقية في الأرض يتفرّع منها أشجار كثيرة ، وذلك بواسطة التقليم منها أو النواة {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} يعني ما يتفرّع منها من أشجار أثيرية تذهب إلى السماء فتكون من أشجار الجنة . ومن الأشجار الطيّبة السدرة وهي شجرة النبق فهي باقية في الأرض إلى اليوم وذهب فرعها إلى السماء فأصبحت من أشجار الجنة ، وقد رآها النبي (ع) ليلة المعراج ، وجاء ذكرها في القرآن وذلك قوله تعالى في سورة النجم {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} وجاء ذكر السدر أيضاً في سورة الواقعة قال تعالى {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} ، وأما قوله تعالى {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} يعني أنّ الأشجار الأثيرية الطيّبة تؤتيك الثمر على الدوام فليس له وقت محدود ، فكلمة ((أُكُلَهَا)) يعني ما يؤكل منها وهو الثمر ، وذلك قوله تعالى في سورة الرعد {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} يعني فاكهتها موجودة على الدوام . أمّا السدرة المادّية التي على الأرض فهي تثمر في السنة مرّتين مرّة في الربيع وأخرى في الخريف .



   ويكون طول الشجرة الأثيرية وسعتها على قدر ما عاشت في دار الدنيا ، فكلّما عاشت أكثر تكون الشجرة الأثيرية أطول وأوسع وأكثر أغصاناً وأثماراً ، مثلاً إنّ النخلة إذا حملت في الدنيا خمس مرّات فإنّ النخلة الأثيرية يكون فيها خمسة صفوف من عذوق التمر ، وإذا حملت عشر مرّات فإنّ النخلة الأثيرية يكون فيها عشرة صفوف من عذوق التمر ، وهكذا كلّما عاشت النخلة المادّية أكثر فإنّ النخلة الأثيرية يكون حملها أكثر ، فإذا ذهبت إلى عالم الأثير فإنّك ترى النخلة الأثيرية ملآنة بالتمر من أسفلها إلى أعلاها ، ولذلك قال الله تعالى سورة الحاقة {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} يعني أثمارها قريبة التناول ، لأنّ الذي في قصره نخلة يقطف تمراً من أسفلها إنْ كان هو في أسفل القصر ، وإنْ كان في الطبقة الثانية من قصره فهو يقطف تمراً من وسطها ، وإنْ كان في أعلى قصره فهو يقطف التمر من أعلاها ، وهكذا فهو أينما كان من قصره فالثمار دانية منه . ثانياً إنّ النفس يمكنها أن تطير بلا جناح وتصعد إلى السطح بلا سلّم وتنزل إلى أسفل كما ينزل الطائر وبذلك أصبحت النفوس قادرة على تسلّق الأشجار واقتطاف الأثمار منها بسهولة بل يمكنها الوقوف على أعالي الأشجار كما تقف الطيور . و الأشجار الأثيرية لا تثمر من من جديد كما تثمر أشجارنا التي في دار الدنيا بل تحمل ثمرتها القديمة التي حملتها في دار الدنيا وتبقى تلك الثمار فيها لا تفسد ولا تنفد مدى الدهور ، قال الله تعالى في سورة الواقعة {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ . فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ . وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ . وَمَاء مَّسْكُوبٍ . وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} فقوله تعالى {لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} يعني لا تنتهي تلك الفاكهة من الشجرة وتنفد ولا يمنعهم أحد من أخذها فهي ملكهم وتحت تصرّفهم إلى الأبد .



 والأكل في عالم الأثير لا يكون غذاء ً للأجسام بل يكون لمجرّد التذوّق والتلذّذ . فالإنسان مهما أكل وشرب فلا تكون معه تخمة لأنّ الأكل يخرج من مسامات جسمه بعد ساعة على هيئة عرق ويعود كما كان أولاً ، ولذلك لا يبولون ولا يتغوّطون ، فالفاكهة التي تأكلها النفوس في عالم الأثير تخرج من مسامات أجسامها وتكون فاكهة كما كانت أولاً ثمّ تعود إلى شجرتِها ، والطير الذي تأكله النفوس يخرج من مسامات أجسامها ويكون طيراً كما كان أولاً ويعود إلى وكره ، والسمكة التي تأكلها النفوس تخرج بعد ساعة من مسامات أجسامها وتعود إلى النهر ، فالأكل والشرب لا يكون عندهم لتغذية الأجسام كما عندنا في الدنيا بل يكون للتذوّق والتلذّذ ومهما أكلوا لا يكون معهم تخمة ولذلك قال الله تعالى في سورة المرسلات {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ . وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وذلك لأنّهم أثيريون وأكلهم أثيري فلا تكون معهم تخمة مهما أكلوا وشربوا . وقال تعالى في سورة الحاقة {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} فهنا أيضاً قال تعالى {كُلُوا وَاشْرَبُوا} ولم يجعل حداً لذلك لأنه أثيري والأثير لا يعمل تخمة للإنسان . أما الأكل والشرب في دار الدنيا فقد جعل له حداً فقال تعالى سورة الأعراف {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} وذلك لأنّ الإكثار من الأكل والشرب يسبّب المرض وفي ذلك قال الشاعر :



ثلاثٌ هنّ مهلكة الأنامِ          وداعية الصحيح إلى السقامِ



دوامُ مدامةٍ ودوامُ وَطءٍ         وإدخالُ الطعامِ على الطعامِ



 

   أمّا الكلمة الطيّبة فهي ذكر الله بالثناء له والدفاع عنه ، أمّا ذكره بالثناء فهو كالتهليل والتكبير والحمد والشكر له ، وأمّا الدفاع عنه فهو بأن تردع شخصاً يتذمّر من الله فتردّ عليه كلامه وتؤنّبه ، وإذا سمعت شخصاً يكفر بالله فعليك أن تردعه وتضربه لكي لا يتلفّظ بعد ذلك بهذه الكلمات ، وإذا لم تتمكّن من ضربه وردعه فيمكنك أن تحرّض الناس على إهانته وردعه ، وإذا لم تتمكّن من ذلك فيمكنك أن تخبر دائرة الشرطة بذلك فيجلبوه للمحاكمة فيردعه الحاكم ويسجنه ، ولا تقل إنّ هذا الأمر لا يعنيني ، بل يعنيك ويعني كلّ شخص يسمع بأذنه ، فيجب عليك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فإذا لم تنهَ قوماً عن منكرهم وأنت ترى ذلك بعينك فقد شاركتهم في عملهم ، وإذا لم تردع شخصاً كافراً فقد شاركته في كفره ، فإنّ الله تعالى ذمّ قوماً من بني إسرائيل فقال في سورة المائدة {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} فيجب عليك أن تدافع عن الله كما يدافع الله عنك ، قال تعالى في سورة الحـج {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} . فردع الكافر عن كفره هي الكلمة الطيّبة التي تتلفّظ بِها فإنّ الملائكة تصعد بِها إلى السماء وتكتبها في اللوح المحفوظ فهي باقية إلى الأبد وكلّما مرّ أحد من الملائكة من هناك قرأها فيذاع لك صيت حسن في السماء ويقال هذا الذي دافع عن الله ، قال الله تعالى في سورة فاطر {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فهذا هو الكلم الطيّب ، وقال تعالى في سورة المطففين {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ . يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} يعني تشاهده الملائكة المقرّبون ، والكلمة الطيّبة تثمر لصاحبها بالخير كما تثمر الشجرة بالفاكهة ، فهذا معنى قوله تعالى {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ}



تفسير الآية التالية : الآية رقم 36 من سورة الرعدالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 34 من سورة الرعد



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم