تفسير الآية الكريمة : ( سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ)

من كتاب الأنسان بعد الموت  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

 











إعلم أنّ جهنّم هي الشمس وطبقاتها الغازية ، والشمس لها جاذبية تجذب النفوس إليها يوم القيامة ولا يفلت منها أحد إلا من أراد الله نجاته منها بعث لهُ بعض الملائكة فأخرجته من جهنّم وقادته إلى الجنة . فالنفوس الشرّيرة يكون عذابها حول الشمس أي في الطبقات الغازية التي للشمس وحرّها وسمومها ،



وقد ورد في كتاب البحار ((إنّ لجهنّم كلاليب مثل شوك السعدان غير أنه لايعلم مقدار عظمها إلاّ الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يجندل ثمّ ينجو)) أقول إنّ الكلاليب يريد بها الجاذبية ولكن لَمّا كانت الناس لا تعرف الجاذبية عبّر عنها بالكلاليب ، ومعناه إنّ لجهنّم جاذبية  تجذب النفوس إليها فمنهم من يبقى فيها معذّباً بعمله ومنهم من  ينجو بعد ذلك .



قال الله تعالى في سورة النبأ {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا . لِلْطَّاغِينَ مَآبًا . لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} فالمرصاد يعني محل رصد للنفوس فهي ترصدهم وتجذبهم إليها  .



وقال تعالى في سورة مريم {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} فقوله تعالى {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}  يعني ولا شخص منكم إلاّ ويرد جهنّم لأنها تجذبهم إليها ثم يبعث الله ملائكته فيلتقطون المؤمنين ويتركون الكافرين .



وقال تعالى في سورة آل عمران {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}  فقوله تعالى {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} دليل على أنّ الناس كلهم يدخلون النار ثمّ يتزحزح عنها المتقون ويدخلون الجنة ، أما الكافرون فلا يتزحزحون عنها بل يبقون فيها معذّبين .



وقال تعالى في سورة الأسراء {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}  فالوجه يريد به الجهة ، والمعنى ونحشرهم يوم القيامة متّجهين نحو جهنّم عمياً عن طريق الجنة وبكماً وصمّاً لِما يصيبهم من العذاب {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} لأنَها تجذبهم إليها .



وقال تعالى في سورة الفرقان {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا} ، فقوله تعالى {عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} يعني يحشرون  متّجهين إلى جهنّم .



وقال تعالى في سورة الكهف {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا} والمعنى أنّها تكون أمامهم وفي طريقهم .



وقال تعالى في سورة مريم {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} فانظر إنّ الله تعالى قال {لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ} ولم يقل لندخلنّهم في جهنّم ، وذلك لأنّهم يكونون في الطبقات الغازية التي حول جهنّم ، يعني يحومون حول الشمس ولا يمكنهم أن يتخلّصوا منها لأنّها تجذبهم إليها .



وقال تعالى في سورة الحج {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} والمعنى أنّهم يكونون كالغرقى يحومون حولها ولا يمكنهم أن يتخلّصوا منها .



وقال تعالى في سورة المؤمنين {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} فقوله تعالى {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} يعني تلفح النار جهتهم التي تكون مقابلة للشمس لأنّهم يحومون حولها .



وقال تعالى في سورة أسرى{عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} يعني تحصرهم وتجذبهم فلا تدعهم يبتعدون عنها .



وقال تعالى في سورة إبراهيم {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ . سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ} فالنار تغشى وجوههم لأنّهم يحومون حولها ، وقوله {مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} يعني مقيّدين في أصفاد الجاذبية .



وقال تعالى في سورة العنكبوت {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} والمعنى أن غازاتها تحيط بهم فلا يمكنهم التخلّص منها .



وقال تعالى في سورة السجدة {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} يعني أنهم كالغرقى يحومون حولها ولا يمكنهم أن يتخلّصوا منها .



وقال تعالى في سورة شورى {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ}



وقال تعالى في سورة الأحقاف {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا}



وقال تعالى في سورة الرحمن  {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ . يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} ، يعني يطوفون بينها وبين طبقاتها الغازية .



وقال تعالى في سورة الواقعة {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ . وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ . لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ}  فالسموم يريد بها سموم الشمس ، والحميم طبقاتها الغازية ، وظل من يحموم دخانها ،



وقال تعالى في سورة المدثر {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} أي لا تبقي أحداً في الفضاء من النفوس إلاّ جذبته إليها .



وقال تعالى في سورة النساء {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً . إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا} يعني لا يرشدهم إلى طريق الجنّة ولكن يرشدهم إلى طريق جهنم لأنها تجذبهم إليها . والخلاصة أن جهنّم هي ألشمس ، والشمس لها جاذبية تجذب النفوس إليها والعذاب يكون للنفوس لا للأجسام ،



قال الله تعالى في سورة الملائكة {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} فلو كان الإنسان يدخل النار بجسمه المادّي فكيف لايموت وهي نار جهنم وإنّ أقلّ نار من نار الدنيا تميت الإنسان ، ولكن لما كان العذاب للنفوس جاز أن يقول :{لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} ، لأنّهم نفوس والنفوس لا تموت ولو في النار .



وقال تعالى في سورة إبراهيم {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}



وقال عزّ من قائل في سورة طه {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى} .


تفسير الآية التالية : الآية رقم 51 من سورة إبراهيمالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 49 من سورة إبراهيم



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم