تفسير الآية الكريمة : ( وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)

من كتاب الكون والقرآن  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

 



 



 



يقول بعض الفلكيّين أنّ الأرض مع باقي السيّارات تساقطت من الشمس على هيئة شرارات ثمّ بردت على مرِّ السنين وصارت أراضي . وأقول هذه النظريّة خطأ حيث – [أوّلاً :] لو كانت شرارات كما يزعمون إذاً لَما اقتصرت على تسع ، بل لَكان شررُها متّصلاً على مرّ السنين . ثانياً : ينبغي أن تكون شراراتها متساوية في الأحجام أو متقاربة على الأقلّ ، فلماذا نرى عطارد أصغر من الأرض بينما المشتري يقدّرونه أكبر من الأرض (1350) مرّة ( وأنا أقول بقدر الأرض اثنتي عشرة مرّةً لا أكثر ) . ثالثاً : ينبغي أن تكون الشرارة مستطيلة لا كرويّة ، رابعاً : إنّ الشرارة لا تدور حول نفسِها بل تسبح في الفضاء ، فكيف تكون السيّارات بعكس ذلك؟ ثمّ إنّ الأجرام الساخنة الملتهبة تكون فيها قوّة جاذبة وتكون في حركة مستمرّة ، أي أنّها تدور حول نفسِها من اليمين إلى الشمال ،فالشمس بسبب دورانِها حول نفسِها وبسبب جاذبيّتِها لا يمكن أن تنفصل منها كتل إلى الفضاء فتكون سيّارات لأنّ الجاذبيّة التي فيها [ تجعلها] محتفظة بحجمِها ، ثمّ دورانُها حول نفسِها يمنع انفصال كتلة منها .



وأقول إنّ الأرض لم تنفصلْ من شمسِنا الحاليّة بل هي مع باقي السيّارات كانت شمساً واحدةً غير شمسنا الحاليّة ، ولَمّا انتهت حياتُها أخذ وجهها يبرد شيئاً فشيئاً وبمدّة ألفَي سنة تكوّنت لَها قشرة باردة فصارت أرضاً ، ومن المعلوم أنّ الشمس تنبعث منها غازات مدى حياتِها ، ولَمّا تكوّنت لَها قشرة أرضيّة عند برودة وجهِها ، منعت تلك القشرة خروج الغازات فصارت تجتمع في جوفِها وتضغط القشرة الباردة لتلك الشمس ، ولَمّا زاد الضغط انفجرت فصارت تسع قطع ، ولَمّا كان في الفضاء شموس أخرى انجذبت تلك القطع إلى أقرب شمس لَها وأخذت تدور حولَها ، وبعد مرور السنين بردَ وجه تلك القطع تماماً فصارت أراضي ، وخلق الله تعالى فيهنّ أحياءً وجبالاً ومياهاً وأشجاراً وغير ذلك ، فأرضنا واحدة من تلك القطع التسع ، وشمسنا منهجها كمنهج ما مضى قبلَها من الشموس .



والشمس التي انتهت حياتُها كانت لَها سيّارات أيضاً ، ولكن لَمّا تشقّقت تمزّقت سيّاراتُها معها فصارت نيازك . وكذلك سيّاراتنا الحاليّة فإنّها ستتمزّق وتكون نيازك وذلك حين تتشقّق شمسنا الحاليّة .

أوّلاً – أخذت القشرة الأرضيّة تزداد برودتُها شيئاً فشيئاً ،



ثانياً – سقوط النيازك زاد في حجمِها ،



ثالثاً – سقوط الذرّات عليها (وهي الذرّات التي نراها في أشعّة الشمس إذا دخلت في الغرفة من النافذة) ومنشأ هذه الذرّات من نيازك تناثرت أجزاؤها في الفضاء بعد أن قامت قيامتُها ،



رابعاً – الفلزّات زادت بحجمِها باتّحادها مع العناصر الأخرى ، مثلاً : الأوكسجين يتّحد مع الحديد فيزيد في حجمه وينتج من ذلك أوكسيد الحديد ؛ وثاني أوكسيد الكاربون يتّحد مع الكلس مكوّناً كاربونات الكالسيوم ؛ والنتروجين يتّحد مع الصوديوم والبوتاسيوم مكوّناً نترات الصوديوم ونترات البوتاسيوم . وهكذا تتّحد الغازات مع أكثر الفلزات فتزيد أحجامها ، وبذلك أخذ جرم الأرض يزداد بمرور السنين والدهور .

والدليل على ذلك قوله في سورة السجدة {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ .. إلخ } ، فالسماوات والأرض يريد بِها السيّارات .



ونظير هذه الآيات قوله تعالى في سورة النازعات {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا . رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا . وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا . وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا .أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا . وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا . مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} ، وإنّما أضاف اللّيل والنهار إلى السماء بقوله {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} لأنّ أشعة الشمس تضرب على الطبقات الغازيّة فتعكسها الغازات إلى الأرض ، وقوله {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} أي زاد في قشرتِها الباردة ، ولا تزال هذه الكلمة مستعملة عند العرب إذ يقول لصاحبه : "إملأ الكيس دقيقاً وادحيه " ، أي زدْ عليه من الدقيق حتّى يمتلئ تماماً ، ومن ذلك قول أميّة بن أبي الصلت :



دارٌ دحاها ثمّ أعمرَ بابَها وأقام بِالأخرى التي هي أمجدُ



ومعناه : دارٌ ملأها بالأمتعة والأطعمة ثمّ سدّ بابها وأقام بالأخرى التي هي أحسن منها ، وقال تعالى في سورة ق {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} ، فقوله تعالى{وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} أي مدّها بالمياه والذرّات والغازات وبذلك زاد حجمها ، وهذه نظير قوله {وَبَارَكَ فِيهَا} ونظير قوله {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} فالمدَد هو إعطاء الشيء بكثرة على الدوام ، كقوله تعالى في سورة الإسراء {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} ، وقال حسّان :



ويومَ بدرٍ لقيناكمْ لَنا مَدَدٌ فيرفعُ النصرً ميكالٌ وجبريلُ



وقال عنترة :



فيا لكَ مِنْ قلبٍ توقَّد بالحَشا ويا لكَ مِن دمعٍ غزيرٍ له مدُّ



وقال الله تعالى في سورة الحجر {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} ، وقال تعالى في سورة الرعد{وَهُو الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ .. إلخ }‘ فهذه الآيات متقاربات في المعنى ومختلفات في الألفاظ .



الجبال التي في الأرض هي أربعة أنواع :



1. منها ما تكوّن بسبب البراكين ،



2. ومنها بسبب عوامل التعرية والتآكل وتقلّبات حوادث الخسف والزلزال ،



3. ومنها بسبب تقلّص الأرض وتكسّر وجهِها وهي الجبال السلسليّة المستطيلة [وفي متحف بيروت ترى أسماكاً متحجِّرة وجدوها في جبل من الجبال ببيروت مِمّا يثبت أنّ ذلك الجبل كان في قديم الأزمنة تحت سطح البحر وكانت تلك الأسماك تسبح فوق أرضه ، ولّمّا تقلّص سطح الأرض تكسّر وجهُها فارتفعت منها طبقات وانخفضت أخرى بسبب تقلّصها فصارت المرتفعات جبالاً]،



4. وأكثرها تكوّن بسبب سقوط النيازك على الأرض ، ولا تزال النيازك تسقط أحياناً في بعض البلاد حتّى يومِنا هذا .



قال الله تعالى في سورة النحل{وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فالرواسي يريد بِها الجبال ، فهي نيازك رَسَتْ على الأرض أي ثبتت عليها ورسخت فيها . وقال تعالى في سورة الرعد {وَهُو الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ..إلخ } فالرواسي هي الجبال . وقال تعالى في سورة الحجر{وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} فقوله تعالى {وَأَلْقَيْنَا} بمعنى ألقى النيازك من الفضاء على الأرض فرَسَتْ فيها وصارت جبالاً . وقال تعالى في سورة فصلت{وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ} ، وقال تعالى في سورة النازعات {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} ، فالجبال يريد بها النيازك ، , أرساها معناها أثبتَها على الأرض . وقال تعالى في سورة الرعد{وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ .. إلخ } ، فقوله تعالى{وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ} يعني هي من غير الأرض {مُّتَجَاوِرَاتٌ}جاور بعضها بعضاً بعدما كانت متفرّقة في الفضاء ، والقطع يريد بِها النيازك لأنّها جاءت إلى الأرض من الفضاء . وقال عزّ من قائل في سورة الحديد { وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ..إلخ } يعني أنزل الحديد مع النيازك فصار منها جبال . وقال تعالى في سورة الغاشية {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ . وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ .} أي نُصِبت على الأرض وهي النيزك نُصِبت على الأرض فصارت جبالاً .



وأمّا الجبال التي تكوّنت من عوامل التعرية والتآكل فيدلّ عليها قوله تعالى في سورة فاطر {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} فقوله تعالى {وَمِنَ الْجِبَالِ} معطوف على قوله {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ} والجُدَد بالضمّ جمع جديد ، ومن ذلك قول النابغة :



والأدم قد خيِّستْ فتلاً مرافقُها مشدودةٍ بِرِحالِ الحيرةِ الجُددِ



والمعنى : وأخرجْنا بماء المطر جبالاً جديدة غير الجبال القديمة ، وذلك لأنّ الأمطار تُذيب غاز ثاني أوكسيد الكربون الموجود في الهواء فيتكوّن حامض الكاربونيك فيذيب هذا الأخير من الأحجار الكلسيّة التي في الجبال فتنزل إلى البحار أو الأراضي المنخفضة فتتحجّر ثانيةً ، وهكذا تستمرّ العمليّة على مرّ السنين حتّى يصبح جبل جديد .



وأمّا قوله تعالى {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} فتقديره : وكوّنّا بِماء المطر غرابيب سود ، ومفرده غربيب وهو الفحم . يُقال "أسود غربيب" أي يشبه الفحم في سواده ، ومن ذلك قول امرئ القيس :



والماء منهمِرٌ والشدُّ منحدِرٌ والقصب مضطَمِرٌ واللّونُ غِربيبُ



كما يقال "أخضر حشيش" و"أحمر دم" ، ويريد بذلك الفحم الحجري لأنّه يتحجّر بواسطة حامض الكاربونيك المتكوِّن بسبب الأمطار ، وإنّما قال تعالى {غَرَابِيبُ} على الجمع ولم يقلْ "غربيب" على الإفراد لأنّ الفحم الحجري على أربعة أقسام .



والخلاصة أنّ النيازك والجبال يأتي ذكرهما في القرآن بإسمٍ واحد وهو"جبال" .


تفسير الآية التالية : الآية رقم 20 من سورة الحجرالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 18 من سورة الحجر



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم