تفسير الآية الكريمة : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)

من كتاب الأنسان بعد الموت  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

 



  إنّ النفس هي التي نسمّيها (روح)



ولكن الفرق كبير بين الروح والنفس ، فالروح هي مجموعة من ذرّات أثيرية لا شكل لَها ولا هيكل بل هي كالهواء ، والروح لا تعقل ولا تبصر ولا تسمع ولا تتكلّم ولا تفهم . أمّا النفس فلَها هيكل كهيكل الجسم ؛ فهي نسخة طبق الأصل منه لأنّها تتكوّن داخل الجسم فتأخذ شكله : فإنْ كان الجسم طويلاً فالنفس تكون طويلة أيضاً ، وإنْ كان الجسم قصيراً كذلك النفس تكون قصيرة ، وهكذا تكون أعضاؤها وحواسّها تشبه الجسم : فإنْ كان فم الجسم واسعاً فإنّ النفس يكون فاها واسعاً أيضاً ، وإنْ كانت عين الجسم صغيرة فإنّ النفس تكون عينها صغيرة أيضاً ؛ فإذا انفصلت النفس عن الجسم عند الموت فإنّها تبقى على هيكلِها لا تكبر ولا تصغر ، فالطفل يبقى طفلاً لا يكبر مدى الزمان والشاب يبقى شاباً لا يهرم مدى الزمان .



   فالروح يطلق عليها لفظة (روح) قبل دخولها الجسم  لأنّها مجموعة من ذرّات أثيرية ، ولكن إذا دخلت في الجسم وتألّفت تلك الذرّات اثيرية داخل الجسم فكوّنت هيكلاً أثيرياً يسمع ويبصر ويتكلّم ويعقل فلا يصحّ حينئذٍ أن تسمّى (روحاً) بل يكون اسمها (نفساً) . كما لا يصحّ أن تسمّى روح الجنين الذي في بطن أمّه (نفساً) لأنّه لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم ، ولكن بعد ولادنه بأربعين يوماً يصحّ أن نسمّي روحه نفساً .



   إذاً نطلق كلمة روح على الذرّات الأثيرية حين دخولِها للجسم أو بعد دخولِها بشهرٍ واحد ، والشاهد على ذلك قول عنترة :



يا عَبلَ حُبُّكِ في عِظامي مَع دَمي     لَمّا جَرَت روحي بِجِسمي قَد جَرى



فهنا سمّاها روحاً ، وذلك حين دخولها جسمه .



   وقال الله تعالى في سورة السجدة في قصّة آدم {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} فإنّ الله تعالى سمّاها هنا روحاً وذلك قبل دخولِها الجسم . وقال تعالى في سورة ص {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} .



   فالروح إذا نشأت في الجسم وكان لَها هيكل أثيري و أخذت تسمع وتبصر وتعقل فلا يصحّ حينئذٍ أن تسمّى (روحاً) بل يكون اسمها (نفساً) ، والشاهد على ذلك قول عنترة :



وقد هانَ عندي بذلُ نفسٍ عزيزةٍ      ولو فارقَتْني ما بَكَتْها جَوارِحي



وقال أيضاً :



لو سابَقَتْني المنايا وهيَ طالبة ٌ     قبضَ النفوسِ أتاني قبلَها السَّبقُ



وقال أيضاً :



أَقَمْنا بالذوابلِ سُوقَ حربٍ      وَصَيَّرْنا النفوسَ لَها مَتاعا



وقال أيضاً :



لي النفوسُ وللطّيرِاللحومُ وللـوحْشِ العِظَامُ وَلِلخَيَّالَة ِالسَّلَبُ



وقال لبيد :



باتتْ تَشَكَّى إليَّ النفسُ مجِهشةً     وقد حَمَلْتُكِ سَبعاً بعدَ سَبْعينا



 وقال الله تعالى في سورة الشمس {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} ، فقوله تعالى {وَمَا سَوَّاهَا} أي ومَنْ كوّنَها وألّفها من ذرّات أثيرية ، وذلك لأنّه تعالى لم يقل : وما خلقها ، بل قال{وَمَا سَوَّاهَا} فالخلقة تطلق على خلقة الأجسام وهذه اللفظة تطلق على تكوين النفوس . وقال تعالى في سورة الزمر{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا الخ} فهنا سمّاها سبحانه (نفساً) وذلك عند خروجها من الجسم ، وسمّاها نفساً أيضاً وهي داخل الجسم وذلك قوله تعالى في سورة يوسف {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ الخ} ، وقال تعالى{ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} .



   والخلاصة أنّ النفس هي الروح لأنّها مجموعة من ذرّات أثيرية وكذلك الروح هي ذرّات أثيرية إلاّ أنّ الروح ليس لَها هيكل ولا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ، ولكنّ النفس تبصر وتسمع وتتكلّم وتعقل ، وبعبارة أخرى أقول إنَ النفس هي الإنسان الحقيقي .



 



سؤال 1: فما معنى قوله تعالى في سورة أسرى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} ؟



جواب : لمّا نزل قوله تعالى{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} وهي آية في سورة الشعراء ، قالت قريش : من هو الروح الأمين وما صفاته ولم لا نراه ؟ فنزلت هذه الآية {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الخ} ، والمعنى يسألونك عن جبرائيل {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أي قل هو من مخلوقات ربّي الروحانية ، وهذه المخلوقات لا تراها المخلوقات المادّية {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} لأنّ لدينا أنواعاً من المخلوقات الروحانية ، وأنتم لا ترونهم ولا تعلمون بِهم . فالروح هنا يريد به جبرائيل ؛ والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة مريم {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} والمعنى : فأرسلنا إليها جبرائيل فتمثّل لَها بشكل بشر . وقال تعالى في سورة البقرة {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} فروح القدس يريد به جبرائيل . وإذا شئت زيادة إيضاح فطالع كتاب (الروح في الإسلام) لمؤلّفه إبراهيم الكوّاز .


تفسير الآية التالية : الآية رقم 30 من سورة الحجرالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 28 من سورة الحجر



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم