تفسير الآية الكريمة : ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

من كتاب الكون والقرآن  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 





ليعلم كلّ إنسان عاقل أنّ المادّيات لا تبقى على حالتها مدى الأيّام ، بل تأخذ في الخراب والتهدّم وذلك على مرّ السنين ، والمعنى أنّ كلّ جرم مادّي حجراً كان أم حديداً أم خشباً أو أيّ جسم حيّ كأجسام الحيوان والإنسان أو غير ذلك فلا بدّ أن يتهدّم ويتمزّق ، وإن كان أقوى الأجسام وأصلبها ، مثلاً نرى الحديد صلباً قوياً ولكن مع صلابته يكون سريع التأكسد ، فإذا دفنّا قطعة منه تحت التراب فبعد سنة نراها تآكلت وتفتّتت وأصبحت كالتراب ، وكذلك لو أخذنا حجراً من الأحجار وسخّنَّاه لتفتّت وصار كالتراب مهما كان قوياً .



وكذلك جسم الإنسان فإنّه صائر إلى الهرم والخراب وإن طالت حياته ، فالمادّيات إذاً صائرة إلى الخراب والزوال ، قال الله تعالى في سورة الرحمن{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} والمعنى أنّ الحياة المادّية لَها نهاية وكلّ جسم على الأرض من المادّيات يتمزّق ويتلاشى ، فكلمة (فَانٍ) معناها النهاية ، والشاهد على ذلك قول الأعشى :



أكلتُ السنامَ فأفنيتُهُ وشدّ النسوع بِأصلابِها



فقول الشاعر "فأفنيتُهُ" ، يعني أتممتُه فلم أُبقِ منه شيئاً ، وقال حسّان قبل إسلامه :



فاشربْ مِنَ الخمرِ ما أتاكَ مشربُهُ واعلمْ بِانّ كلّ عيشٍ صالحٍ فانِ



أي زائل .



وأمّا قوله {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ..الخ} فالوجه يريد به الجهة ، كقوله تعالى في سورة البقرة{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُو مُوَلِّيهَا} وقوله أيضاً {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} فالوجه يريد به الجهة ، ومن ذلك قول أميّة بن أبي الصّلت :



إذا اكتسبَ المالَ الفتى مِنْ وجوهِهِ وأحسَنَ تدبيراً لَهُ حينَ يَجمَعُ



وقال لبيد بن ربيعة :



وتُضيءُ في وجهِ الظلامِ مُنيرةً كجمانةِ البحريِّ سُلَّ نظامُها



وقال عنترة :



فما تركتُ لهم وجهاً لِمُنهزمٍ ولا طريقاً ينجيهم مِنَ العطَبِ



ومعنى الآية : كلّ جسم مادّي يتلاشى ، ويبقى كلّ حيّ أثيري ينتقل إلى جوار ربّه .



وقال تعالى في سورة القصص{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، أي كلّ شيء مادّي يهلك ، يعني تتفكّك أجزاؤه ويتلاشى ، ويبقى كلّ أثيري . والتقدير : كلّ شيء في جهتكم هالك إلاّ ما كان جهتكم هالك إلاّ ما كان بجهته لا يهلك .



فإذا علمتَ أنّ المادّيات صائرة إلى الخراب والدمار فلتعلمْ بأنّ الأجرام السماويّة أيضاً صائرة إلى الخراب والزوال لأنّها من المادّيات ، فالشمس والأقمار تتشقّقان ، والأرض تتمزّق والجبال تتبعثر ، والسماوات الغازيّة تتفطّر وتتبعثر ، وملخّص القول أنّ المجموعة الشمسية بأسرها تصير إلى الخراب ، وتقوم مجموعة أخرى مقامها ، لأنّ الشمس تتشقّق فتكون سيّارات ، والسيّارات تتمزّق فتكون نيازك ، وهكذا تتمزّق المجموعة الشمسيّة وتظهر شمس جديدة فتجذب هذه القطع المتمزّقة حولَها وتبني مجموعة جديدة ، ثمّ إذا انتهت حياة تلك الشمس الجديدة تشقّقت أيضاً وتمزّقت مجموعتها وقامت أخرى مقامها وهلُمَّ جراً



 

تفسير الآية التالية : الآية رقم 116 من سورة البقرةالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 114 من سورة البقرة



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم