تفسير الآية الكريمة : ( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ)

من كتاب الأنسان بعد الموت  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

 



 

 




إعلم أنّ الإنسان الحقيقي هو النفس الأثيرية أي الروح الروحانية ، وليس الإنسان الجسم المادّي الذي يتمزّق بعد الموت ويكون تراباً . وما الجسم المادّي إلاّ قالب تتكوّن فيه النفس فإذا كمل إنشاؤها وبلغت رشدها فلا حاجة بعد ذلك للجسم لأنّ النفس هي الإنسان الحقيقي ، وهي التي تتكلّم وتسمع وتبصر وتشعر باللّذات والآلام وهي التي تعقل وتفهم و لا حاجة لَها بالجسم بعد انفصالِها عنه . أمّا الجسم الذي انفصلت عنه النفس يكون كالخشبة الممدودة لا يعقل ولا يفهم ولا يشعر باللّذات والآلام ؛ إذاً الإنسان الحقيقي هو النفس ، والشاهد على ذلك قول الشاعر :



أقبِلْ على النفس واستكمل فضائلَها     فأنتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ



   وقال الله تعالى في سورة الملائكة {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} يقول الله تعالى لنبيّه محمّد : إنّ هؤلاء الكافرين لا يسمعون ما تقول لهم لشدّة عنادهم كما أنّ الأموات التي في القبور لا تسمع من يخاطبها ، فهذه الآية تؤيّد بأنّ الميّت الذي انفصلت عنه النفس لا يسمع من يخاطبه لأنّه لا حياة فيه . وقال تعالى في سورة النمل {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}، فهذه الآيات تصرّح بأنّ الأجسام الميّتة لا تسمع ولا تعقل فما هي إلاّ أجسام ميّتة لا حياة لَها وإنّها تتلاشى بعد سنين وتكون تراباً . فمن قال أنّ النفس ترجع للجسم في القبر ويحيى الميّت ويحاسب ، أقول في جوابه : ما هذه إلاّ كلمات وهميّة لا حقيقة لَها .



   وأمّا ما جاء في الحساب و الجزاء والعقاب في عالم البرزخ فهو للنفس خاصة دون الجسم لأنّ الجسم لا يشعر بأيّ شيء من ذلك ، أمّا النفوس فهي باقية لا تفنى ، قال الله تعالى في سورة البقرة {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} ، والمعنى : لا تظنّوا أنّ هؤلاء الذين قتلوا قي سبيل الله انتهت حياتهم لأنّكم ترون أجسامهم ملقاة على الأرض ودماؤهم تسيل بل هم أحياء ولكن لا تشعرون بهم لأنّكم ترون الأجسام ولا ترون النفوس ؛ والإنسان الحقيقي هو النفس لا الجسم .



   وقال تعالى في سورة آل عمران {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، فقوله تعالى {عِندَ رَبِّهِمْ} يعني في الطبقات الأثيرية أي في الجنان يرزقون من ثمارها ويشربون من أنهارها ، فلو أنّ الله تعالى قصد بذلك أجسامهم لقال : أحياء في القبر يرزقون .



   وقال تعالى في سورة يس {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } ، فلمّا كان هذا الرجل مقتولاً فكيف يقال له ادخل الجنّة ، ولكنّ القول لنفسه لا لجسمه لأنّ النفس باقية لا تفنى ، ولمّا دخلت نفسه الجنّة الأثيرية حينئذٍ قالت {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} .



    وقال تعالى في سورة نوح حاكياً عن قومه {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} ، فإذا كانت أجسامهم غرقى في الماء فأين تكون النار منهم ، ولكن المعنى : أغرقت أجسامهم في الماء وأدخلت نفوسهم في النار ، واعلم أنّ دخول الجنّة في عالم البرزخ هو خاص لبعض النفوس ، وكذلك دخول النار .



   وقال عزّ من قائل في سورة الحج {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} ، فقوله تعالى {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ } يعني يرزق نفوسهم لأنّ النفوس باقية لا تفنى



===============================================================================================================



   ليس الموت الذي نعرفه هو زوال الإنسان من الوجود ، ولكنّ الموت هو انفصال النفس عن الجسم أي انفصال الهيكل الأثيري عن الهيكل المادي . وبعبارة أخرى أقول إنّ الموت ولادة ثانية للإنسان أي هو ولادة النفس من الجسم ، فالنفس مولود والجسم والد ، فإذا ولدت النفس من الجسم فالجسم يفنى بعد ذلك ويكون تراباً ، أمّا النفس فهي باقية لا تفنى ولا تزول وهي الإنسان الحقيقي ، وقد جاء في الحديث عن النبي (ع) أنه قال : "ليس للإنسان زوال  ، بل نقلٌ وانتقال من دارٍ إلى دار ." ، فالإنسان إذاً لا يموت وإنما الموت للأجسام المادّية فقط ، وقد قال أبو العلاء المعرّي في ذلك :



خُلِـقَ الـنَّـاسُ للبَقَـاءِ فضَلّـتْ          أُمّــةٌ يَحْسَبُـونَهُـمْ للنّفــادِ



إنّمـا يُنْقَلُـونَ مِـنْ دَارِ أعْمَـالٍ          إلَـى دارِ شِـقْـوَةٍ أو رَشَــادِ



وقال الله تعالى في سورة البقرة {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} ، وقال عزّ من قائل في سورة آل عمران {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} فالإنسان إذاً لا يموت وإنّما الموت للأجسام فقط . وجاء في إنجيل متى في الإصحاح العاشر قال المسيح لتلاميذه : "ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكنّ النفس لا يقدرون أن يقتلوها ."



 



سؤال 4:  قال الله تعالى في سورة الملك {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} ، فما معنى قوله تعالى {خَلَقَ الْمَوْتَ} ، فهل الموت شيء مادّي فخلقه الله تعالى أم هو عارض ؟



جواب :  الموت هنا يريد به الجماد ، كقوله تعالى في سورة البقرة {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ...الخ} ، ومعناه : كنتم جماداً فجعلكم أحياءً تسمعون وتبصرون ، وذلك لأنّ الإنسان كان جماداً في أوّل أمره ؛ فقد خلق الله تعالى أبانا آدم من الطين ، أمّا أولاده فمن مركّبات وعناصر أرضية كالصوديوم والبوتاسيوم والكلس والكبريت والكاربون والفسفور وغير ذلك ، فامتصّتها الأشجار والنباتات من الأرض فأصبح فاكهة في الأشجار أو حباً في السنبلة ، فلمّا أكلها الإنسان صارت في صلبه ماءً ، ثمّ انتقل ذلك الماء إلى رحم المرأة فصار في رحمها طفلاً ، فهذا معنى قوله تعالى {كُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} أي كنتم جماداً فجعلكم أحياءً ، وقال تعالى أيضاً في سورة الأنعام {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ...الخ} ، و قال تعالى في سورة النحل {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ . أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} ، فقوله تعالى {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء} يعني الأصنام التي يعبدونها هي جمادٌ لا حياة فيها.



   فقوله تعالى{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} بعني خلق الجماد والحياة ، ولذلك قدّم كلمة "موت" على "الحياة" لأنّه تعالى خلق الجماد قبل الحياة . أمّا خلقة الحياة فهو مفهوم لأنّ منشأ الحياة من حجيرات حية نامية وإنّ الله تعالى خلق تلك الحجيرات وخلق كلّ شيء .



 

 



 



 


تفسير الآية التالية : الآية رقم 155 من سورة البقرةالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 153 من سورة البقرة



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم