تفسير الآية الكريمة : ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)

من كتاب المتشابه من القرآن  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

كانت عادة الصوم عند الناس قبل الإسلام ثلاثاً وعشرين ساعة ، أي أنّهم يأكلون بعد غروب الشمس بساعة واحدة ثمّ يصومون ما بقي من الليل والنهار كلّه ثمّ يفطرون بعد غروب الشمس بساعة . وكان النكاح عندهم لا يجوز في أيام الصوم ولياليه . وهذه عادة اليهود حتّى الآن ، فلمّا نزلت آية الصيام على النبيّ أخذ المسلمون يصومون كما اعتادوه من الصيام ، فلمّا كان وقت الإفطار قصيراً وهو ساعة واحدة من الزمن صار بعض المسلمين لا يصلون إلى إفطارهم ولا يأكلون شيئاً من الطعام ، وذلك بسبب أشغال تعوقهم عن الإفطار في ذلك الوقت ، أو أنّهم ينامون في ذلك الوقت صدفة فإذا انتبهوا من نومهم رأوا أنّ وقت الإفطار قد ذهب منهم فيبقون على صومهم إلى اليوم الثاني فيشقّ ذلك عليهم.

وكان بعض الشباب من المسلمين لا يستطيعون الصبر عن النكاح فإذا صار وقت الإفطار أتَوا نساءهم ، فعلم الله تعالى بذلك فأراد سبحانه أن يخفّف عنهم فأراد سبحانه أن يخفّف عنهم فأنزل هذه الآية (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ ) أي كلّ ليلة في صبيحتها الصيام (الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ ) أي الجماع (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ) أي هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهنّ ، وهذا كقوله تعالى في سورة الأعراف {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ، (عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ) في الجماع ، فالمخاتلة والمخاتنة بمعنى واحد وهو المخادعة ، وذلك أنّ الرجل كان يخدع زوجته ويجامعها وهي كارهة ذلك في ليالي الصيام (فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) أي فتاب على الذين تابوا منكم (وَعَفَا عَنكُمْ ) أي وعفا عن الذين لم يتوبوا ، لأنّ الذين جامعوا نساءهم بعضهم قد ندموا وتابوا وبعضهم جامعوا وسكتوا ، (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ) أي لا حرج عليكم في جماعهنّ بالليل ، (وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ ) أي واطلبوا الحلال الذي فرضه الله لكم ، ولا تطلبوا الحرام في غير نسائكم ، (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ ) طول الليل ، يعني في أيّ وقت شئتم من أوقات الليل (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) أي حتّى يتبيّن لكم وميض الفجر من سواد الليل ، (ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ ) .
وقد أخطأ المسلمون في إفطارهم في الوقت الحاضر27 لأنّ أبناء السنّة يفطرون وقت غروب الشمس ، والشيعة يفطرون بعد ذلك باثنتي عشرة دقيقة ، أي وقت المغرب ، بينما أنّ الله تعالى يقول (ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ ) ولم يقل إلى وقت المغرب ، ولا يكون الليل إلاّ عند الظلام وظهور النجوم ، ولا يجوز الإفطار إلاّ بعد غروب الشمس بنصف ساعة .
والدليل على ذلك أنهم يسمّون صلاة المغرب وصلاة العشاء ، فصلاة المغرب تكون وقت المغرب أي بعد غروب الشمس بخمس دقائق ، ولا يصحّ أن تسمّى صلاة العشاء بصلاة المغرب ، ولا أن تصلّيها وقت المغرب ، ولكن يصحّ تسميتها بصلاة اللّيل لأنّ وقتها يكون بعد غروب الشمس بساعة ونصف الساعة ، فكذلك تسمية الليل ، لأنّ الليل لا يكون إلاّ وقت حلول الظلام وعند رؤية النجوم ، فأمّا بعد غروب الشمس ببضع دقائق فلا يسمّى ذلك الوقت بالليل ، بل يسمّى وقت المغرب أو وقت الغروب على الأصحّ ، (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ) أي ولا تنكحوا نساءكم وقت الصلاة والدعاء واعتكاف الناس في المساجد ، فاتركوا النساء وقت الصلاة واعتكفوا أي واظبوا على الصلاة والدعاء في المساجد كما يعتكف قومكم وأهل بلدتكم . فإنّ الله تعالى نَهى عن النساء وجماعهنّ في أوّل وقت من الليل ، وذلك خاصّ في شهر رمضان28 ، أي من وقت الإفطار إلى بعد صلاة العشاء بساعة ، لأنّ اعتكاف الناس في المساجد يكون في ذلك الوقت ، (تِلْكَ ) الأحكام التي ذكرت (حُدُودُ اللّهِ ) أي أحكامه المحدودة (فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) بالمخالفة والتغيير ، (كَذَلِكَ ) أي مثل هذا البيان الذي ذكر (يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ ) أي حججه وأدلّته على ما أمرهم به ونَهاهم عنه (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) المحارم ، أي يجتنبونَها .

تفسير الآية التالية : الآية رقم 188 من سورة البقرةالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 186 من سورة البقرة



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم