تفسير الآية الكريمة : ( اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)

من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

لَمّا ذكرَ الله سبحانهُ فيما سبق اختلاف اليهود والنصارى في أديانهم وعباداتهم وإشراكهم بالله ، بيّن في هذه الآية بأنّ العبادة لا تجوز لغيره ولا يستحقّ العبادة إلاّ هو لأنّهُ خالقهم ورازقهم وهو القائم بتدبير الكون وتدبير مخلوقاتهِ فقال تعالى (اللّهُ) ربّكم (لاَ إِلَـهَ ) في الكون (إِلاَّ هُوَ ) وحده (الْحَيُّ) الّذي لا يموت (الْقَيُّومُ) بشؤون الكون وتدبيره ، يعني القائم بتدبير الكون وشؤون الخلق (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ) "السِّنة" هي النعاس قبل النوم ، والمعنى : لا يأتيهِ النعاس ويهدأ كما يأتي النفوس ولا نوم كما تنام الناس . فالسِّنة هي الحالة الّتي تعتري الإنسان قبل النوم فيسكن ويهدأ ولكنّهُ غير نائم ، ومن ذلك قول عديّ بن الرقّاع : وَسْنانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرنَّقَتْ في عَيْنهِ سِنَةٌ وليسَ بِنائِمِ (لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ) الغازيّة من طيرٍ يطير (وَمَا فِي الأَرْضِ ) من دابّةٍ تسير (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ) يوم القيامة (إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) يعني إلاّ للموحِد الّذي يأذن الله للأنبياء في شفاعتهِ ، أمّا الّذي لا يأذن لهم بشفاعته فلا يشفعون لهُ ولو كان أخاهم ، فإنّ نوحاً لا يمكنه أن يشفع لابنهِ ولا إبراهيم لأبيهِ (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) أي يعلم الله ما في حاضرهم من نعيم يتنعّمون به في الجنان (وَمَا خَلْفَهُمْ ) أي ويعلمُ ما تركوه خلفهم من شرايع وأديان ، هم الشفعاء أي الأنبياء والرُسُل والأولياء والشهداء (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ) أي من علوم الغيب (إِلاَّ بِمَا شَاء ) أن يُعلّمهم من علوم الغيب . ومِثلها في سورة الجن قوله تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } . (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) يعني سِعة الكُرسي على قدر الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض وسِعة انتشارهنّ في الفضاء ، والكرسي هو الطبقات الأثيريّة السبع الّتي تسكنها الملائكة ، وهي الجنان الّتي نذهب إليها يوم القيامة ، والعرش فوقها ، ولذلك قال الله تعالى في سورة المؤمنون {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } لأنّ العرش فوق السماوات السبع الأثيريّات ، وهنّ المكنّى عنهنّ بالكرسي ، وقد شرحتُ عن الكرسي و العرش و الجنان في كتابي الكون والقرآن وفي كتابي الإنسان بعد الموت فطالعْهما إن شئتَ زيادة إيضاح (وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ) أي لا يثقلهُ حفظ السماوات والأرض ، يعني الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض لأنّها محفوظات بقوّة جاذبيّة الشمس فلا يذهبنَ في الفضاء ولا يبتعدنَ عن مواقعهنّ . فكلمة " لا يؤودهُ " معناها لا يُثقِلهُ ، ومن ذلك قول الشاعر : يُعْطِي الْمِئِينَ وَلَا يَؤُودُهُ حَمْلُهَا مَحْضُ الضَّرَائِبِ مَاجِدُ الْأَخْلَاقِ (وَهُوَ الْعَلِيُّ ) فوق خلقه (الْعَظِيمُ) في صِفاتهِ الّذي تُعظّمهُ ملائكتهُ وتقدّسهُ .

تفسير الآية التالية : الآية رقم 256 من سورة البقرةالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 254 من سورة البقرة



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم