تفسير الآية الكريمة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)

من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

(يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ ) أجرَ (صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ) على من تصدّقتم عليهِ (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ ) أي قبالة الناس وأمام الناس . ومن ذلك قولهُ تعالى في قِصّة موسى وفرعون [ في سورة الشعراء ] {فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } ، والشاهد على ذلك قول الأعشى : لِمَيثاءَ إذْ كانتْ وأهلُكَ جيرةٌ رئاءٌ وإذْ يُفضِي إليكَ رسولُهَا فقول الشاعر " رئاءٌ " يعني بعضهما يرى البعض الآخر لأنّ دارهُ مقابل دارها . والّذي ينفق ماله رئاء الناس هو أبو جهل (وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ ) وحده بل يُشرك معه الأصنام (وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) أي ولا يؤمن بيوم القيامة ، وقد سبق شرحه فيما سبق في آية 126 ، (فَمَثَلُهُ) في ذهاب مالِه (كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ ) وصفوان إسم جبل حجري في الحجاز ، حجارته ملساء ينزلق من يمشي عليها ، فلذلك يضعون عليه تراباً فيعملون طريقاً للصعود عليه للتفرّج والتنزّه ، فإذا جاء الشتاء وهطلت الأمطار بكثرة أزاحت التراب عن الجبل فعادَ حجراً ملساً يزلق من يمشي عليهِ ، والشاهد على ذلك قول أوس بن حجر : عَلَى ظَهْرِ صَفْوَانٍ كَأَنَّ مُتُونَهُ عُلِلْنَ بِدُهْنٍ يُزْلِقُ الْمُتَنَزِّلَا يعني يُزلق من يريد النزول منه . وهذا مثَل ضربهُ الله تعالى في رؤساء الكافرين وخاصّةً أبا جهل بأنّهُ مادام لديهِ مال ينفق على أصحابه فإنّهم ينقادون له ويجتمعون حوله فإذا ذهب ماله ذهبت أصحابه عنهُ ، وفي ذلك قال الراجز : رأيتُ الناسَ قدْ مالُوا إلى مَنْ عندَهُ مالُ ومَنْ ليسَ لهُ مالُ فعنهُ الناسُ قد مالوا فمثَل هذا الرئيس كجبل صفوان مادام عليه تراب تأتي إليهِ الناس وتصعد فوقه ، وإذا زال التراب عنه بسبب الأمطار انقطعت عنه الناس . فشبّهَ الله تعالى الرئيس بالجبل ، والمال بالتراب الزائل عن مكانه بحوادث الدهر ، وذلك قوله تعالى (فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ) أي فأصاب ذلك الجبل مطر شديد كثير ، ومن ذلك قول النابغة الذبياني : سَقى الغَيثُ قَبراً بَينَ بُصرى وَجاسِمٍ بِغَيثٍ مِنَ الوَسمِيِّ قَطرٌ وَوابِلُ (فَتَرَكَهُ صَلْدًا ) أي فترك الجبل حجراً أملسَ قويّاً لا تثبتُ قدما من يمشي عليهِ ، فالصلد هو الحجر القويّ ، والشاهد على ذلك قول عنترة : أَشْكُو مِنَ الهَجْرِ في سِرٍّ وَفي عَلَنٍ شَكوَى تُؤَثِّرُ في صَلْدٍ مِنَ الحَجَرِ (لاَّ يَقْدِرُونَ ) هؤلاء المنفقون أموالهم رئاء الناس (عَلَى شَيْءٍ ) من إرجاع أموالهم (مِّمَّا كَسَبُواْ ) قبل الإنفاق ولا يؤجَرون عليها (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) إلى طريق الجنّة كما يهدي المنفقين في سبيل الله وليس إنفاقهم رياءً . ونظير هذه الآية في سورة الأنفال قولهُ تعالى {إِنَّ الّذينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ } ثمّ أخذَ سُبحانهُ في مدح المؤمنين الّذينَ ينفقون أموالهم في سبيل الله فقال :

تفسير الآية التالية : الآية رقم 265 من سورة البقرةالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 263 من سورة البقرة



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم