تفسير الآية الكريمة : ( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)

من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

(ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً ) أي أمناً (نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ ) وهم المؤمنون . لَمّا تراجع المسلمون واجتمعوا عند رسول الله وهم يعتذرون إليه أنزل الله تعالى النعاس على المؤمنين فناموا ووضع في قلوبهم الأمان ليهدأ روعهم لأنّ المشركين توعّدوهم بالعودة للقتال فجلسوا تحت الجُحُف متهيّئين للقتال ، أمّا المنافقون منهم فكانوا خائفين مرعوبين ، وذلك قوله تعالى (وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ ) وهم المنافقون ، أي كان همّهم الوحيد أن ينجُوا بأنفسهم من القتل دون غيرهم (يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ) أي يتوهّمون أنّ الله لا ينصر محمّداً وأصحابه كظنّ الجاهليّة ، وهم المشركون (يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ ) والنهي (مِن شَيْءٍ ) يعني يقول بعضهم لبعض هل لنا من الإمرة والمشورة من شيء ، فلو استشارونا وأخذوا برأينا ما حلّ بِهم ما قد حلّ (قُلْ) لهم يا محمّد (إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) يعني إنّ تسيير المسلمين وتدبير أمورهم وتوجيهَهم للنصر والظفَر كلّهُ بيد الله ، فإنّ الله يوحي إلى رسوله وهو يوجّههم للقتال فينتصرون ، ولكنّكم خالفتم أمرَ نبيّكم وتركتم أماكنكم فخسرتم المعركة في هذه الواقعة ، (يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ) أي ما لا يستطيعون إظهاره لك من الشكّ والنفاق (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ ) أي من الإمرةِ والمشورة (شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) أي ما قُتِل أصحابنا في هذا المكان (قُل) لهم في جواب ذلك (لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ) وقد كتبنا على بعضكم أن يُقتَلوا (لَبَرَزَ الّذينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ ) إلى ميدان القتال فقاتلوا وقُتِلوا وأنزلوهم (إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) والمعنى : من قدّرنا عليه القتل يُقتَلْ سواءً أكان في ميدان القتال أم في بيته وعلى فراشه فلا مفرّ من الموت . فالمضجع هو الفراش الّذي ينام عليه الإنسان ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة السجدة {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا } ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الأحزاب {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا } ، وقوله تعالى في سورة النساء {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } والمعنى : لو لزمتم منازلكم أيّها المنافقون والمرتابون وتخلّفتم عن القتال لما تخلّف المؤمنون عن القتال (وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ) أي يختبر ما في صدوركم من نوايا وعقائد بأعمالكم (وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ) بأعمالكم فتظهر للمسلمين نواياكم وتنكشف أسراركم فلا يلتفتوا بعد ذلك إلى أقوالكم . والتمحيص هو الامتحان والاختبار ويكون أيضاً بمعنى التنقية من الغشّ (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) فلا يخفى عليه شيءٌ من أسراركم .

تفسير الآية التالية : الآية رقم 155 من سورة آل عمرانالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 153 من سورة آل عمران



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم