تفسير الآية الكريمة : ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ۚ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ۚ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ) الطَول هو الغِنى والجاه ، والشاهد على ذلك قول حسّان بن ثابت : إذا ما انْتدَى أجْنَى النّدَى وَابْتَنَى العُلا وأُلفِيَ ذا طَوْلٍ عَلَى مَنْ تَطَوَّلا والمعنى : من لم يجد مالاً أو جاهاً ليتزوّج من الحرائر العفيفات المؤمنات فليتزوّج من الإماء ، أي من المملوكات ، لأنّ صُداقهنّ أقلّ من صُداق الحرائر العفيفات ، وذلك قوله تعالى (أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ) يعني فليتزوّج من المملوكات (مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ) يعني من فتيات قومكم المؤمنات الصالحات ، يعني من ظهرَ لكم صلاحها وتقواها (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ) يعني أنتم تعلمون الظاهر واللهُ يعلم بالحقائق (بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ) يعني لا تأنفوا من زواج المملوكات كلّكم من آدم واُمّكم حوّاء (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ) أي تزوّجوهنّ بإذنِ مالكهنّ . من شروط الزواج الصحيح ثلاثة : أوّلاً أن يكون برضا من أهل البنت ، ثانياً أن يحضر الزوج شهوداً على زواجه من الفتاة ، ثالثاً أن يكتب ورقة بالمهر المؤجّل ويعطيها المهر المعجّل . ولا يصحّ الزواج بدون هذه الشروط وذلك لئلاّ ينكر الزوج بعد ذلك زواجه منها . وقد وقع زواج كثير بين رجل وامرأة دون حضور شهود ولا ورقة للمهر المؤجل فأنكروا زواجهم من تلك النساء بعد أن أشبعوا رغبتهم منهنّ . (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) يعني وآتوهنّ صداقهنّ بما هو مُتعارف بين الناس (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ) يعني بشرط أنّ الّتي تريدون زواجها تكون عفيفة لا زانية فإن تأكّدتم من عِفّتها تزوّجوها وإن تبيّن أنّها زنت فلا تتزوّجوها . فالْمُحصَنة هي التي منعت نفسها من الزِنا ، ومن ذلك قول جرير : فَلا تَأمنَنَّ الحَيَّ قَيْساً فَإنّهمْ بَنُو مُحصَناتٍ لمْ تُدَنّسْ حُجُورُها (وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) يعني ولا متّخذات أخلاّء في السرّ بأن يكون لها رفيقٌ تُوادِدهُ وتختلي معه في السرّ ، ومن ذلك قول جرير : قَد كُنتِ خِدْناً لَنا يا هِنْدُ فَاعتَبِري ماذا يُريبُكِ مِنْ شَيْبِي وَتَقْوِيسِي فمثل هذه المملوكة إحذروا من زواجها (فَإِذَا أُحْصِنَّ ) في حِصنٍ لمدّة شهر واستَبرأنَ بحيضةٍ وثبت خلوّها من الحمل فلا مانع حينئذٍ من زواجهنّ (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ ) قبل الزواج (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ) وهو خمسون جلدة : الخمسون جلدة للّتي تزني من المملوكات ، والمائة جلدة للحرائر اللّاتي ليس لهنّ أزواج ، والمنع من الطعام والشراب سبعة أيّام بلياليها للّتي تزني من ذوات الأزواج (ذَلِكَ) إشارة إلى نكاح الأمَة عند عدم الطّول (لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ) العنت هو الخضوع والتذلّل ، ومن ذلك قول الشاعر : رَأَيْتُكَ تَبْتَغِي عَنَتِي وَتَسْعَى مَعَ السَّاعِي عَلَيَّ بِغَيْرِ ذَحْلِ والمعنى : لمن يخضع لشهوةِ نفسهِ وينقاد لها ويخاف أن تحملهُ شِدّة الشبق على الزِنا فيلقى الحدّ في الدنيا والعذاب في الآخرة (وَأَن تَصْبِرُواْ ) حتّى يغنيكم الله من فضلهِ (خَيْرٌ لَّكُمْ ) من الاستعجال والزواج بالمملوكات . ومِثلها في سورة النــور {وَلْيَسْتَعْفِفِ الّذينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } (وَاللّهُ غَفُورٌ ) للتائبين (رَّحِيمٌ) بالنادمين . وإذا تزوّج إحدى المملوكات مالِكُها ثمّ طلّقها فلا يجوز له أن يبيعها بل يجب عليه أن يُطلق سراحها فتتزوّج من شاءت .

تفسير الآية التالية : الآية رقم 26 من سورة النساءالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 24 من سورة النساء



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم