تفسير الآية الكريمة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا)

من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

جلس اثنان من المسلمين في المسجد يتحدّثان ليلاً وكان أحدهما نَعِساً ، فجاء رجل آخر وأخذَ يُصلّي قريباً منهما فقرأ في صلاته {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ، فقال الجالس لرفيقه النعِسْ هل تحفظ هذه السورة؟ فقال نعم ، وأخذَ يقرأ : يا أيّها الكافرون أعبدُ ما تعبدون . فنزلت هذه الآية (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ) من النعاس9 ، والمعنى : لا تجلسوا في المسجد قرب المصلّين وأنتم سُكارى من شِدّة النعاس ، ومن ذلك قول امرئ القيس : وَفِتيانِ صِدْقٍ قَدْ بَعَثْتُ بِسُحرَة ٍ فقامُوا جَمِيعاً بَيْنَ عاثٍ وَنَشْوَانِ والنشوان هو السكران ، يعني بعَثَهم وهم سكارى من النعاس (حَتَّىَ) معناها كي (تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ) أي كي تعلموا ما تقرؤون . فقد روي عن عائشة عن النبيّ (ع) أنّه قال : "إذا نعس أحدكم وهو يصلّي فلينصرف لعلّه يدعو على نفسه وهو لا يدري ." فالنعسان كالسكران ، وقد يكون الإنسان سكرانا من الهموم أو العذاب ، فقد قال الله تعالى في سورة الحج {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } ، ويُقال للغافل أنتَ سكران ، ومن ذلك قول الله تعالى في سورة الحجر {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } يعني في غفلتهم يتردّدون (وَلاَ) تجلسوا في المساجد (جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ) فلا بأس من ذلك ، يعني إن كان للمسجد بابان وأراد أحدكم أن يعبر الطريق فيدخل من هذه الباب ويخرج من تلك وهو مجنب فلا إثم عليه ، أمّا الجلوس في المسجد فلا يجوز لِمن كان مُجنباً (حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ ) بالماء عن حدث الجنابة فحينئذٍ لا بأس عليكم من الجلوس في المساجد . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ الحكم في ذلك عند فقدان الماء وحكم المريض الذي يضرّه الماء فقال (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى ) بمرض يضرّ معه الماء (أَوْ عَلَى سَفَرٍ ) أي مسافرين ولم تجدوا ماءً في الطريق (أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ ) الغائط هو المكان المنخفض من الأرض ، وهوكناية عن قضاء الحاجة ، لأنّ الإنسان إذا أراد أن يرمي ما في بطنهِ من قذارة يجلس في مكان منخفض إذا كان في الصحراء ليحتجب عن الأنظار ، والشاهد على ذلك قول حسّان : أباحَ لَها بِطْرِيقُ فارِسَ غائِطاً لَهُ مِنْ ذُرى الجَوْلانِ بَقْلٌ وَزاهِرُ و"جَولان" إسم جبل ، وقال الحُطيئة يصف حمار وحش : أوْ فوق أخنسَ ناشطٍ بشقيقة ٍ لَهَقٍ بِغَائِطِ قَفْرَة ٍ مَحْبُورِ (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ ) المراد به الجِماع بدون إنزال ، يعني من جامع زوجته ولم يخرج منه مني وجب عليه الغُسل أيضاً (فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء ) لتغتسلوا وتتطهّروا (فَتَيَمَّمُواْ) أي فاقصِدوا واختاروا ، والشاهد على ذلك قول امرئ القيس : وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هَمُّهَا وَأَنَّ الْبَيَاضَ مِنْ فَرَائِصِهَا دَامِي تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي وقال الأعشى : تَيَمّمْتُ قَيْساً وَكَمْ دُونَهُ مِنَ الأرْضِ مِنْ مَهْمَه ٍ ذِي شَزَنْ (صَعِيدًا طَيِّبًا ) أي طاهراً من الأقذار ، والصعيد وجه الأرض ، يعني المكان المرتفع منها (فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) من ترابهِ ، وذلك بأن تبسط كفّيك وتضرب التراب مرّةً وتمسح بِها وجهك وضربة ثانية تمسح بِها يديك (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا ) بالترخيص لكم والتيسير (غَفُورًا) عن الخطأ والتقصير . وعند حضور الماء يبطل التيمّم إلاّ المريض الذي يضرّه الماء ، وإذا كنت جُنُباً وجلست [ أي استيقظت من نومك ] متأخّراً وقد ضايقك الوقت لصلاة الصبح وكان الوقت شتاءً فلا تغتسل بالماء البارد فتعرّض نفسك للمرض فتوضّأ وصلِّ قبل فوات الوقت ثمّ سخّن الماء واغتسل عن الجنابة ، وإذا كان في وجهك جرح يضرّه الماء فتيمّم وصلِّ وإذا كان الجرح في إحدى يديك أو رجليك فتوضّأ وامسح فوق الضماد الذي على الجرح وصلِّ .

تفسير الآية التالية : الآية رقم 44 من سورة النساءالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 42 من سورة النساء



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم