تفسير الآية الكريمة : ( وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)

من كتاب الأنسان بعد الموت  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

إنّ النفس هيكل أثيري خفيف يمكنها أن تصعد إلى أعلى طبقات الفضاء بلا جناح ، ويمكنها أن تنزل في الأرض وتخرج منها بلا صعوبة ، ويمكنها أن تدخل الغرفة والباب مغلق لأنّها تستطيع أن تدخل وتخرج من أصغر ثقب ، والنفس إذا انفصلَتْ من الجسم يكون بصرها أقوى مِمّا كانت عليه وهي داخل الجسم لأنه كان كغطاءٍ لَها ، فإذا كان الإنسان يرى من مسافة ساعة فإنه إذا انفصل عن جسمه المادّي يرى من مسافة اثنتي عشرة ساعة لأنّ الغلاف الذي كان على بصره قد زال . هذا في الظلام أمّا في الضياء فيكون بصره ضعيفاً فلا يرى إلاّ القريب منه ، وكذلك السمع عنده ، فإنّ النفس يقوى سمعها إذا انفصلت عن الجسم فتسمع حينئذٍ من مسافة بعيدة ، وهكذا تقوى جميع حواسّ النفس بعد الموت إلاّ حاسّة النطق فإنّها تكون ضعيفة لأنّ الفم المادّي هو كآلة مكبّرة للصوت عند النفس ، فإذا انفصلت النفس عن الجسم فحينئذٍ لا يمكنها أن تنطق بصوتٍ يسمعه المادّيون بل يكون كلامها بلا صوت ، والنفس لا يبعد عليها طريق ولا مكان فهي تسير بسرعة الهواء ، والنفوس تجوع وتعطش ولكن لا يكون أكلها وشربها ضرورياً بل إنْ حصلتْ على طعام أكلت وإنْ لم تجد لا تأكل ، وكذلك إن وجدت ماء شربت وإذا لم تشرب لا تموت ، والنفوس إذا انفصلت عن الأجسام بسبب الموت حينئذٍ ترى الملائكة والجنّ والشياطين لأنّها أصبحت مخلوقات أثيرية مثلها . قال الله تعالى في سورة الفرقان {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا}.



   والنفوس لا تنام ولكن تأخذها سِنَة من النوم ، وهي الحالة التي تعتري الإنسان قبل النوم فيغمض عينيه وينعس ولكن ليس بنائم ، فإذا تكلّم معه أحد سمع كلامه وفهم مراده ، وهذه الحالة التي تكون عند ابتداء النوم تسمّى "سِنَة من النوم ، وفي ذلك قال عدي بن الرقّاع :



وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاس فَرَنَّقَتْ          فِي عَيْنه سِنَة وَلَيْسَ بِنَائِمِ



وقال الله تعالى في [سورة البقرة] آية الكرسي {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } ومعناه لا تأخذه سِنةٌ كما تأخذ النفوس ولا نومٌ كما تنام الأجسام . وقال تعالى في سورة النازعات {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ . فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ}أي فإذا الناس يموتون من تلك الزجرة وتنتقل نفوسهم إلى عالم يسهرون فيه ولا ينامون ، فالسهر هو الامتناع عن النوم ، وفي ذلك قالت الخنساء :



فسوفَ أبكيكَ يا ابنَ الشريدِ          وأسهِرُ عيني معَ الساهِرِينا



   وقال الله تعالى في سورة الأعراف {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ...الخ} فقوله تعالى {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} دليل على أنهم يمكنهم الصعود إلى السماء ولكن لا تفتّح لهم أبوابها ، ولو فتحوا لهم الأبواب لأمكنهم الصعود إلى الجنة . وقال تعالى في سورة الحجر{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ} فهذه الآية أيضاً تدلّ على أنّ الإنسان يمكنه الصعود في السماء وذلك بعد انفصاله عن الجسم المادّي . وقال تعالى في سورة الأنعام {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ...الخ} فهذه الآية تدلّ على أنّ الإنسان أي النفس يمكنها أن تنزل في الأرض ويمكنها الصعود في السماء . وقال تعالى في سورة ق {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} ، فالغطاء يريد به الجسم المادّي فهو الغطاء للنفس ، والبصر هو عين النفس ، والحديد معناه حادّ أي قويّ البصر ، وذلك كقوله تعالى في سورة الأحزاب {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} يعني بألسنةٍ حادة ، وفي ذلك قال زهير بن أبي سلمى :



وَرْدٌ عُـرَاضُ السَّاعِديـنِ حَدِيـدُ          النَّـابِ بَيـنَ ضَـرَاغِـمٍ غُثْـرِ



وقالت الخنساء :



حَديدُ السّنـانِ ذَليـقُ اللّسـان ِ          يُجـازي المَقـارِضَ  أمثالَهـا



وقال الله تعالى في سورة النمل{وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ} أي لا يتكلّمون بكلامٍ له صوت بل يكون كلامهم لا صوت له . وقال أيضاً في سورة المرسلات{هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ . وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} ، ومعناه لا يكون لكلامهم صوت لأنهم أثيريون ولا يؤذن لهم في الكلام فيعتذرون ، فالنطق غير الكلام ، والنطق هو الكلام الذي يكون له صوت ، وأمّا الذي لا يكون له صوت فلا يسمّى نطق بل يسمّى كلام ، وأمّا لفظة "كلام" فهي تشمل الإثنين : ما كان له صوت وما لم يكن له صوت .



   وقال تعالى في سورة طه {وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} ، أي لا تسمع لكلامهم صوتاً بل يكون كلامهم بالهمس ، والهمس هو الكلام الخفي الذي لا يظهر له صوت . وقال تعالى في سورة مريم {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا}، فقوله تعالى {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ} دليل على أنهم موجودون غير معدومين ولكنّ النبيّ (ع) لا يحسّ بهم لأنهم أثيريون ولا يسمع النبيّ رِكز أقدامهم على الأرض ، يقال "ركز الرمح في الأرض" أي غرزه في الأرض .


تفسير الآية التالية : الآية رقم 36 من سورة الأنعامالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 34 من سورة الأنعام



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم