تفسير الآية الكريمة : ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ)

من كتاب الأنسان بعد الموت  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

 



يكون سبب موت الإنسان على قسمين :



 أوّلاً :  عوارض الطبيعة ، وذلك كالغرق والحرق والقتل وسقوط جدار على الإنسان وغير ذلك ، فيموت الإنسان حينئذٍ أي تنفصل النفس عن الجسم فيصبح الجسم عاجزاً عن حفظ النفس وذلك لِما أصابه من خلل ، وفي هذه العوارض لا يحضر ملَك الموت لقبض النفوس .



أمّا القسم الثاني وهم الذين يمرضون ثمّ يموتون أو يموتون بلا مرض ، فهؤلاء يحضر عندهم ملَك الموت فيخرج نفوسهم من أجسامهم ، فمثل ملَك الموت كمثل القابلة التي تخرج الطفل من بطن أمه كذلك ملَك الموت يخرج النفوس من الأجسام ، فإذا جاء ملَك الموت إلى المستحضر أخذ يؤكسد السائل الحيوي الذي في جسم الإنسان فتنفصل النفس حينئذٍ عن الجسد ولا يبقى لَها اتصال ، وذلك لأنّ السائل الحيوي هو السبب في اتصال النفوس بالأجسام . قال الله تعالى في سورة الأنعام {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} ، فقوله تعالى{وَلَوْ تَرَى} معناه : ولو ترى يا محمّد حال الظالمين حين ينزل بِهم الموت وهناك الملائكة باسطو أيديهم إلى المستحضرين يؤكسدون السائل الحيوي الذي في أجسامهم يقولون لَهم : أخرجوا أنفسكم من أجسامكم {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ...الخ} ، وقال تعالى في سورة الأنعام{حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} أي لا يقصّرون في حقّه فإن كان محسناً عاملوه بالإحسان وإن كان مسيئاً عاملوه بالترك والنسيان ، فإذا تركوه وانصرفوا عنه حينئذٍ تأتي إليه الشياطين والجنّ والنفوس الشرّيرة فيؤذونه ويسجنونه ويسخرون منه فيريد أن يتخلّص منهم فلا يتمكّن ، فقوله تعالى {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} يعني : لا يقصّرون في حقّه ، كقوله تعالى في سورة يوسف {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ...الخ} والمعنى : ما قصّرتم في حقّ يوسف . وقال تعالى في سورة الواقعة {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ . وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ . وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ . فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ . تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فقوله تعالى {إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} يعني : إذا بلغت النفس إلى الحنجرة {وَأَنتُمْ } أيها الحاضرون {حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ } إلى المستحضر كيف يعالج سكرات الموت {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ } يعني : رسلنا أقرب إليه منكم وهم الملائكة الذين يقبضون نفسه {وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ } لكونِهم أثيريين وأنتم مادّيون ، وقال تعالى في سورة القيامة {كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ . وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ . وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ . وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ . إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } ، فقوله تعالى {إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ } يعني : إذا بلغت النفس إلى الترقوة ، وهي عظام الرقبة {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} يعني : حينئذٍ يقال هل من طبيبٍ راقٍ يداويه ويشافيه .



======================================================================



 



 



   إنّ ملائكة الموت هما رقيبٌ عتيد ، فهما اللذان يكتبان حسنات الإنسان ويحصيان عليه سيئاته ؛ قال الله تعالى في سورة الأنعام {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} ، فقوله تعالى {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} يعني الحفظة تتوفّاه وهم الذين أرسلهم من قوله {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} ، وأمّا قوله {لاَ يُفَرِّطُونَ}يعني لا يقصّرون في حقه إن كان محسناً عاملوه بالإحسان وإن كان مسيئاً عاملوه بالترك والنسيان . وقال تعالى في سورة الأعراف {حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا ...الخ} ، فقوله تعالى {جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا} يعني الذين أرسلهم للإنسان يحفظون عليه سيئاته ويكتبون حسناته وهم رقيبٌ عتيد . وقال تعالى في سورة السجدة {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}، فقوله تعالى {وُكِّلَ بِكُمْ } يعني وكيل عليكم يكتب أعمالكم ويحفظ عليكم سيئاتكم . وقال تعالى في سورة الأنبياء {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} ، فالملائكة التي تتلقّاهم يوم القيامة هم الحفظة وهم رقيبٌ عتيد . وقال تعالى في سورة السجدة {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} ، فقوله تعالى {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } يعني الملائكة تقول لهم نحن كنا نتولّى أموركم في الحياة الدنيا ونراقبكم ، وفي الآخرة أيضاً كنا معكم ، أي في العالم الأثيري ، فكنا نتولّى أموركم ونرشدكم إلى ما فيه صلاحكم ونحرسكم من الجن والشياطين ، واليوم أتينا نتلقّاكم "وهو يوم القيامة" ونبشّركم بدخول الجنة ونأخذكم إليها .



   فرقيبٌ عتيد هم مع الإنسان في دار الدنيا يكتبون أعماله ، وهما اللذان يقبضان نفسه عند الموت ، وهما اللذان يؤنسانه بعد الموت ويتولّيان أموره "إن كان الشخص من الصالحين" وهما اللذان يتلقّيانه يوم القيامة ويبشّرانه بدخول الجنة ثمّ يأخذانه إليها إن كان من الصالحين . قال الله تعالى في سورة ق {وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} ، "فالسائق" هو الذي يسوقها إلى الجنة أو إلى النار ، و"الشهيد" هو الذي يشهد عليها بما عملت في دار الدنيا من خير أو شرّ ، فالسائق والشهيد هما رقيبٌ عتيد . وقال تعالى أيضاً في نفس السورة {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ}، فالخطاب في قوله {أَلْقِيَا} يعود إلى رقيب عتيد .


تفسير الآية التالية : الآية رقم 62 من سورة الأنعامالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 60 من سورة الأنعام



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم