تفسير الآية الكريمة : ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ)

من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

(وَذَرِ الّذينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) ويريد بذلك المشركين ، والمعنى : اُتركهم ولا تخاطبْهم مرّةً اُخرى لأنّ الكلام لا يفيد معهم (وَذَكِّرْ بِهِ ) أي بالقرآن ، يعني عِظْ وأنذرْ بهِ غيرهم ، يعني : اُدعُ الناس إلى الإيمان مرّة واحدة فمن أسلم وآمن فلنفسه ومن عاند وجحد رسالتك اُتركه وادعُ غيره وسيلقى عقابه بعد موته (أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ) من الآثام ، يعني ذكّرهم بالقرآن لئلاّ تُبسل نفسٌ من بين النفوس وتؤخذ إلى جهنّم ، أي تُعزل من بين النفوس ، والشاهد على ذلك قول كعب بن زُهير : إذا غَلَبَتْهُ الكَأْسُ لا مُتَعَبِّسٌ حَصُورٌ ولا مِنْ دونِها يَتَبَسَّلُ يعني ولا ينعزل وحده عنها ، وقال زُهير بن أبي سلمى : بلادٌ بها نادَمْتُهُمْ وألِفْتُهُمْ فإنْ تُقْوِيَا مِنْهُمْ فإنّهُما بَسْلُ يعني فإن فرغت منهم تلك البقاع تبقى غير صالحة للسُكنى ولذلك انعزلوا عنها وارتحلوا منها ، وقال الأعشى : أجارَتُكُمْ بَسْلٌ علَينا مُحَرَّمٌ وجارَتُنا حِلٌّ لكمْ وحَلِيلُهَا وقالت الخنساء : مِنَ القَـومِ مَغشِـيُّ الـرِواقِ كَأَنَّـهُ إِذا سيـمَ ضَيمـاً خـادِرٌ مُتَبَـسِّـلُ أي مُنعزل عن الناس ، والخادر الّذي اتّخذ الأجمّةَ خِدراً وانعزل عن الناس ، ولاتزال هذه الكلمة مُستعملة عندنا في العراق لتفريق نوعين من الفواكه أو الحبوب على أن يكون أحدها قليلاً والآخر أكثر ، أو يكون أحدهما جيّداً والآخر رديئاً فيقول لصاحبهِ إبسِل البرتقال عن اللّيمون ، أو يقول إبسِل التفّاح ، أي إعزل الجيّد من الرديء ، فالجيّد المعزول يُقال له "مبسول" أمّا الرديء فيُقال له "بسالة" ، وقد قلتُ في كتابي الإنسان بعد الموت أنّ دخول جهنّم في عالم البرزخ خاصّ للأمّة الّتي كذّبت رسولها مواجهةً وليس لجميع الكافرين ، أمّا الآخرون فدخولهم فيها يكون يوم القيامة ، فإنّ الله تعالى يأمر ملائكة العذاب أن تلتقط هؤلاء المكذّبين من بين النفوس واحداً بعد الآخر وتغلّل أيديهم بسلاسل من حديد وتأخذهم إلى جهنّم . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الحاقّة {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . ثمّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثمّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ } . فإن قال أحد الملحدين : أين تكون جهنّم ، ولم لا نراها لو كانت موجودة؟ أقول : يراها كلّ إنسان ولكن لا يعرفها ، فجهنّم الأرض هي البراكين ، وجهنّم الفضاء هي الشمس الحاليّة ، وجهنّم هي سقر وهي أكبر من شمسنا الحاليّة باضعاف ، ولذلك قال الله تعالى عنها في سورة المدثر {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ } أي إحدى الشموس الكبيرات الأحجام ، وقال تعالى في نفس السورة {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ } أي تلوح للناس من بعيد فيرونها كنجمة تضيء في اللّيل . وقوله (لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ ) يتولّى أمر تلك النفس المكذّبة ويدافع عنها (وَلاَ شَفِيعٌ ) يشفع لها ويُخلّصها من العذاب (وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا ) يعني وإن تعادل آثامها بكلّ شيء ثمين من مال الدنيا وتفدي بهِ لكي تنجو من العذاب فلا يُقبَل منها ، والمعنى : لا يدفع عنها العذاب وليٌّ ولا شفيع ولا مال (أُوْلَـئِكَ الّذينَ أُبْسِلُواْ ) أي عُزِلوا من بين النفوس الكافرة وأُخِذوا إلى جهنّم (بِمَا كَسَبُواْ ) من آثام وتكذيب الرُسُل (لَهُمْ) في جهنّم (شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ ) أي ساخن ، ومن ذلك قول امرئ القيس يصف فتاة : إذا مَا اسْتَحمَّتْ كَانَ فَضْلُ حمَيمِهَا عَلى مَتنَتيْهَا ، كَالجُمَانِ لدى الجَالي (وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ) .

تفسير الآية التالية : الآية رقم 71 من سورة الأنعامالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 69 من سورة الأنعام



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم