تفسير الآية الكريمة : ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)

من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

ثمّ خاطب الله تعالى أولاد آدم فقال (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ) أي يسترُ عوراتكم ، واللّباس المذكور هنا هو لباسان أحدهما مادّي والآخر أثيري أي روحاني ، فالمادّي هو عامّ لجميع الناس ، أمّا الأثيري فهو خاصّ للأنبياء والأولياء والصالحين من الناس وذلك بعد الموت ، لأنّ الإنسان إذا مات خرجت النفس من الجسم وهي عُريانة فإن كانت من الصالحين أنزلت لَها الملائكة ثوباً من السماء تلبسهُ وتستر بهِ عورتها . أمّا اللّباس المادّي فهو من صوف الغنم ووبر الإبل تُصنع منها ثياب وألبسة بعد الغزل والنسج ، وإنّما قال الله تعالى (قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ ) لأنّ الأنعام نزلت من الجبل الذي خلق الله تعالى فيه آدم وحوّاء ، ولَمّا نزل آدم من ذلك الجبل إلى الأرض المنبسطة نزلت تلك الأنعام إلى الأرض المستوية لأنّ المياه جفّت فوق الجبل والنباتات يبست فلم يبقَ للأنعام ما تأكل وتشرب ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الزمر {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ..الخ } أي أنزلها من الجبل ، ثمّ اتّخذ الناس من أصوافها لباساً وأثاثاً . وقوله (وَرِيشًا) يُريد بهِ الأفرشة والأثاث التي تُصنع من الصوف والشعر والوبر ، ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة النحل {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } . والشاهد على ذلك قول الخنساء : أبْلِغْ مَوالِيَهُ فَقَدْ رُزِئوا مولىً يَرِيشُهُمُ ولا يَشْرِي أي ولا يأخذ بدلاً عن الأرياش ، وقال الآخر : ورِيشِي مِنْكُمُ وهَوَايَ مَعْكُمْ وإنْ كانَتْ زِيارَتُكُمْ لِمامَا وقال الآخر : فرِشْني بخيرٍ طالَما قَدْ بَرَيْتَنِي فَخَيْرُ الْمَوالِي مَنْ يَرِيشُ ولا يَبْرِي وكذلك الطيور نزلت من ذلك الجبل فاتّخذ الناس من ريشها مقاعد ومساند ومراوح وغير ذلك ، (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ) أي وأنزل لكم لباساً تتّقون بهِ ضرب عدوّكم ، وهي الدروع والمجنّ والخوذ المصنوعة من الحديد ، والمعنى : أنزل عليكم الحديد فاتّخذتم منه دروعاً تتّقون بِها ضرب عدوّكم وتحميكم من القتل ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الحديد {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } . وتعليل ذلك أنّ في الفضاء نيازك تدور حول الأرض كما يدور القمر وقد يسقط بعضها أحياناً على الأرض فيجد الناس في تلك النيازك قِطعاً من الحديد الطلق فيأخذونهُ ويعملون منهُ دروعاً وآلات اُخرى ، لأنّ الناس كانوا قبلاً لا يعرفون تعدين الحديد من خاماتهِ ولا يوجد الحديد طليقاً على وجه الأرض لشدّةِ اتّحادهِ بالأوكسجين لذلك كانوا يُفتّشون عنه في النيازك الساقطة من الفضاء ، وإنّما يوجد الحديد طليقاً في النيازك لأنّ الأوكسجين قليل في الطبقة التي فيها النيازك ، أمّا قوله تعالى (ذَلِكَ خَيْرٌ ) أي لباس التقوى خيرٌ لكم من الريش لأنّهُ يصونكم من الضرب ويحرسكم من القتل (ذَلِكَ) الحديد والنيازك (مِنْ آيَاتِ اللّهِ ) أي من عجائبهِ وإتقان مصنوعاته وهي النيازك تسير فوقنا كالسحاب ولا تسقط مع أنّها أجرام ثقيلة ، وقد شرحتُ عنها في كتابي الكون والقرآن شرحاً وافياً ، وقوله (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) أي يتّعظون إذا عرفوا هذهِ النِّعَم وفكّروا فيها تكفيهم دلالةً على أنّ الله واحد لا شريك لهُ ، وأنّ الأصنام لا قدرةَ لها على شيء من ذلك .

تفسير الآية التالية : الآية رقم 27 من سورة الأعرافالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 25 من سورة الأعراف



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم