تفسير الآية الكريمة : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)

من كتاب الأنسان بعد الموت  بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

 

قلنا فيما سبق أنّ النباتات والأشجار والأثمار لَها أرواح كما للإنسان والحيوان أرواح ، فإذا قُطِعت شجرة من الأشجار في دار الدنيا وماتت فإنّ روحها لا تموت بل تبقى حية على مدى السنين والدهور ، وهي غضّة مثمرة كثيرة الأغصان مملوءة بالأثمار ، لا تتساقط أوراقها ولا تنفد أثمارها ، لا تحتاج إلى سماد ولا ماء ولا يميتها برد ولا داء ، فهذه الأشجار الأثيرية تنتقل إلى عالم الأثير ، فكلّ شجرة طيّبة تذهب بِها الملائكة إلى السماء فتكون من أشجار الجنة ، وهي التي يكون ثمرها طيّباً أو رائحتها زكية كأشجار الورد والرياحين ، فيتمتّع بِها أهل الجنة ويأكلون من ثمارها ويجلسون في ظلّها ويأنسون بمنظرها . قال الله تعالى في سورة إبراهيم َلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} فقوله تعالى {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} يعني أصلها ثابت في الأرض , ويريد بذلك الشجرة المادّية لأنّها باقية في الأرض يتفرّع منها أشجار كثيرة ، وذلك بواسطة التقليم منها أو النواة {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} يعني ما يتفرّع منها من أشجار أثيرية تذهب إلى السماء فتكون من أشجار الجنة . ومن الأشجار الطيّبة السدرة وهي شجرة النبق فهي باقية في الأرض إلى اليوم وذهب فرعها إلى السماء فأصبحت من أشجار الجنة ، وقد رآها النبي (ع) ليلة المعراج ، وجاء ذكرها في القرآن وذلك قوله تعالى في سورة النجم {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} وجاء ذكر السدر أيضاً في سورة الواقعة قال تعالى {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} ، وأما قوله تعالى {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} يعني أنّ الأشجار الأثيرية الطيّبة تؤتيك الثمر على الدوام فليس له وقت محدود ، فكلمة ((أُكُلَهَا)) يعني ما يؤكل منها وهو الثمر ، وذلك قوله تعالى في سورة الرعد {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} يعني فاكهتها موجودة على الدوام . أمّا السدرة المادّية التي على الأرض فهي تثمر في السنة مرّتين مرّة في الربيع وأخرى في الخريف .




   ويكون طول الشجرة الأثيرية وسعتها على قدر ما عاشت في دار الدنيا ، فكلّما عاشت أكثر تكون الشجرة الأثيرية أطول وأوسع وأكثر أغصاناً وأثماراً ، مثلاً إنّ النخلة إذا حملت في الدنيا خمس مرّات فإنّ النخلة الأثيرية يكون فيها خمسة صفوف من عذوق التمر ، وإذا حملت عشر مرّات فإنّ النخلة الأثيرية يكون فيها عشرة صفوف من عذوق التمر ، وهكذا كلّما عاشت النخلة المادّية أكثر فإنّ النخلة الأثيرية يكون حملها أكثر ، فإذا ذهبت إلى عالم الأثير فإنّك ترى النخلة الأثيرية ملآنة بالتمر من أسفلها إلى أعلاها ، ولذلك قال الله تعالى سورة الحاقة {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} يعني أثمارها قريبة التناول ، لأنّ الذي في قصره نخلة يقطف تمراً من أسفلها إنْ كان هو في أسفل القصر ، وإنْ كان في الطبقة الثانية من قصره فهو يقطف تمراً من وسطها ، وإنْ كان في أعلى قصره فهو يقطف التمر من أعلاها ، وهكذا فهو أينما كان من قصره فالثمار دانية منه . ثانياً إنّ النفس يمكنها أن تطير بلا جناح وتصعد إلى السطح بلا سلّم وتنزل إلى أسفل كما ينزل الطائر وبذلك أصبحت النفوس قادرة على تسلّق الأشجار واقتطاف الأثمار منها بسهولة بل يمكنها الوقوف على أعالي الأشجار كما تقف الطيور . و الأشجار الأثيرية لا تثمر من من جديد كما تثمر أشجارنا التي في دار الدنيا بل تحمل ثمرتها القديمة التي حملتها في دار الدنيا وتبقى تلك الثمار فيها لا تفسد ولا تنفد مدى الدهور ، قال الله تعالى في سورة الواقعة {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ . فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ . وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ . وَمَاء مَّسْكُوبٍ . وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} فقوله تعالى {لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} يعني لا تنتهي تلك الفاكهة من الشجرة وتنفد ولا يمنعهم أحد من أخذها فهي ملكهم وتحت تصرّفهم إلى الأبد .



 والأكل في عالم الأثير لا يكون غذاء ً للأجسام بل يكون لمجرّد التذوّق والتلذّذ . فالإنسان مهما أكل وشرب فلا تكون معه تخمة لأنّ الأكل يخرج من مسامات جسمه بعد ساعة على هيئة عرق ويعود كما كان أولاً ، ولذلك لا يبولون ولا يتغوّطون ، فالفاكهة التي تأكلها النفوس في عالم الأثير تخرج من مسامات أجسامها وتكون فاكهة كما كانت أولاً ثمّ تعود إلى شجرتِها ، والطير الذي تأكله النفوس يخرج من مسامات أجسامها ويكون طيراً كما كان أولاً ويعود إلى وكره ، والسمكة التي تأكلها النفوس تخرج بعد ساعة من مسامات أجسامها وتعود إلى النهر ، فالأكل والشرب لا يكون عندهم لتغذية الأجسام كما عندنا في الدنيا بل يكون للتذوّق والتلذّذ ومهما أكلوا لا يكون معهم تخمة ولذلك قال الله تعالى في سورة المرسلات {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ . وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وذلك لأنّهم أثيريون وأكلهم أثيري فلا تكون معهم تخمة مهما أكلوا وشربوا . وقال تعالى في سورة الحاقة {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} فهنا أيضاً قال تعالى {كُلُوا وَاشْرَبُوا} ولم يجعل حداً لذلك لأنه أثيري والأثير لا يعمل تخمة للإنسان . أما الأكل والشرب في دار الدنيا فقد جعل له حداً فقال تعالى سورة الأعراف {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} وذلك لأنّ الإكثار من الأكل والشرب يسبّب المرض وفي ذلك قال الشاعر :



ثلاثٌ هنّ مهلكة الأنامِ          وداعية الصحيح إلى السقامِ



دوامُ مدامةٍ ودوامُ وَطءٍ         وإدخالُ الطعامِ على الطعامِ



 

   أمّا الكلمة الطيّبة فهي ذكر الله بالثناء له والدفاع عنه ، أمّا ذكره بالثناء فهو كالتهليل والتكبير والحمد والشكر له ، وأمّا الدفاع عنه فهو بأن تردع شخصاً يتذمّر من الله فتردّ عليه كلامه وتؤنّبه ، وإذا سمعت شخصاً يكفر بالله فعليك أن تردعه وتضربه لكي لا يتلفّظ بعد ذلك بهذه الكلمات ، وإذا لم تتمكّن من ضربه وردعه فيمكنك أن تحرّض الناس على إهانته وردعه ، وإذا لم تتمكّن من ذلك فيمكنك أن تخبر دائرة الشرطة بذلك فيجلبوه للمحاكمة فيردعه الحاكم ويسجنه ، ولا تقل إنّ هذا الأمر لا يعنيني ، بل يعنيك ويعني كلّ شخص يسمع بأذنه ، فيجب عليك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فإذا لم تنهَ قوماً عن منكرهم وأنت ترى ذلك بعينك فقد شاركتهم في عملهم ، وإذا لم تردع شخصاً كافراً فقد شاركته في كفره ، فإنّ الله تعالى ذمّ قوماً من بني إسرائيل فقال في سورة المائدة {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} فيجب عليك أن تدافع عن الله كما يدافع الله عنك ، قال تعالى في سورة الحـج {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} . فردع الكافر عن كفره هي الكلمة الطيّبة التي تتلفّظ بِها فإنّ الملائكة تصعد بِها إلى السماء وتكتبها في اللوح المحفوظ فهي باقية إلى الأبد وكلّما مرّ أحد من الملائكة من هناك قرأها فيذاع لك صيت حسن في السماء ويقال هذا الذي دافع عن الله ، قال الله تعالى في سورة فاطر {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فهذا هو الكلم الطيّب ، وقال تعالى في سورة المطففين {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ . يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} يعني تشاهده الملائكة المقرّبون ، والكلمة الطيّبة تثمر لصاحبها بالخير كما تثمر الشجرة بالفاكهة ، فهذا معنى قوله تعالى {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ}



تفسير الآية التالية : الآية رقم 32 من سورة الأعرافالصفحة الرئيسة تفسير الآية السابقة: الآية رقم 30 من سورة الأعراف



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم