كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الرعد من الآية( 14) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

14 - (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) أي للهادِ دعوة الحق ، لأنّه يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وينهى عن عبادة الأصنام والأوثان ، ودعواه مستجابة عند لله (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ) أي الذين يدعون إلى عبادة الأصنام ويسألون حوائجهم منها (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ) من قضاء حوائجهم لأنّها جماد لا تضرّ ولا تنفع ، ولا فائدة من دعواهم للأصنام وغيرها (إِلَّا) الأماني التي يفكّر بها هؤلاء المشركون والأوهام التي تختلج نفوسهم إذ يقولون أنّ الأصنام تنصرنا على أعدائنا وتقضي حوائجنا وتشفع لنا عند الله، فيكون مثَل هؤلاء المشركين في دعواهم للأصنام (كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ) أي كمثل رجل انتقل بموته إلى عالم الأرواح وهو عطشان فيدنو من النهر ويمدّ يديه إلى الماء ليغترف ويشرب ولكن لا يمكنه رفع الماء إلى فمه ولا الشرب منه لأنّه أصبح روحانياً خفيفاً كالهواء والماء ثقيل فلذلك لايمكنه حمل الماء بكفيّه كما كان في دار الدنيا ولا الشرب منه ، فإذا يئس من ذلك النهر رجع بعطشه وخاب أمله ، فكذلك الذي يبسط كفّيه للأصنام أو لغيرها من الأنداد ويسأل حاجته منها يرجع عنها بالخيبة والخسران ، وذلك قوله تعالى (لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) يعني يريد إيصال الماء إلى فمه ولكن لا يصل ولا يمكنه ذلك لأنّ الماء مادي ثقيل والنفس أثيرية خفيفة لا يمكنها حمله ولا شربه ، أما النفوس الصالحة فإنّها تشرب من ماء أثيري تأتيهم به الملائكة من الجنة (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ) للأصنام والأنداد (إِلَّا فِي ضَلَالٍ) عن الحق .

17 - (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) هو المطر أنزله على الجبال (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) أي سالت المياه إلى الأودية بقدر ما فيها من جبال (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ) أي فحمل الماء الذي سال من الجبال وإنّما قال تعالى (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ) ، لأنّه حملٌ وسيل من الجبل إلى الوادي ، لأنّ الزبد هذا ثقيل لا يطفو فوق الماء بل يندفع [وينجرف] بواسطة السيل من الجبال إلى الوادي . (زَبَدًا رَّابِيًا) أي نامياً75، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الروم {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّه} ، يعني فلا ينمو عند الله. و"الزبَد" هو الصدف والمحار وكبريتات الكالسيوم وكربونات الكالسيوم وكبريتيد الحديد الذهبي وغير ذلك مما يتكوّن في الأرض ويتكاثر من اتّحاد عنصرين، ويحمل السيل أيضاً الأحجار الملوّنة والأحجار الكريمة كالعقيق والفيروز "شذر" وغير ذلك (وَ) يحمل السيل أيضاً (مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ) هو كبريتيد الفضة، والحلية هي أدوات الزينة كالأساور والقلائد والخلاخيل والأقراط والخواتم وغير ذلك ، وكان الناس قبلاً لا يعرفون تعدين الفضة من خاماتها سوى هذه الطريقة : وهي أن يحفروا حفرة في الأرض فيضعوا فيها كبريتيد الفضة76 ثم يوقدوا عليه النار فيتطاير الكبريت بعد أن يتحول بتسخينه إلى غاز ثاني أوكسيد الكبريت وتبقى الفضة في الحفرة فيأخذونها ويعملون منها أدوات الزينة (أَوْ) يوقدون عليه ابتغاء (مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ) هو كبريتات الكالسيوم وكربونات الكالسيوم فإذا أوقدوا عليه النار صار أوكسيد الكالسيوم ، وهو الجص والجبس والنورة ، فيستعمل الأول للبناء ، والثاني للقوالب ولتضميد الكسور في المستشفيات ولأشياء أخرى ، والثالث يستعمل لتحضير الصوداالكاوية والمسحوق القاصر "كلورين" وأشياء أخرى ، وكلها للمتاع ، أي لأشياء يتمتّع بها الإنسان ويستفاد منها وفوائدها كثيرة . ومما يوقدون عليه النار للمتاع أيضاً هو الكاؤولين وهو الطين الأبيض تصنع منه الأواني الخزفية (كَذَ‌ٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) أي كذلك يضرب الله الأمثال بالحق والباطل ، فالحق هو دين الإسلام ، والباطل هو دين المشركين (فَأَمَّا الزَّبَدُ) وهو الكبريت (فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي يذهب أدراج الرياح بالتسخين وهو غاز تجفاه الطباع وتكرهه النفوس لأنّه سام وكريه الرائحة يضيق صدر من يستنشقه ويشتد به السّعال وإذا كان الغاز كثيراً يسبب الموت ، وتبقى الفضة خالصة من الشوائب لامعة تجذب الأنظار ذات قيمة وفوائد كثيرة .

فإن الله تعالى ضرب مثلاً لدين المشركين بغاز ثاني أوكسيد الكبريت الذي هو سامّ لمن يستنشقه وكريه الرائحة ، ثمّ لا يلبث أن يزول بالتسخين عن الفضة ويذهب أدراج الرياح . وضرب مثلاً لدين الإسلام بالفضة النقية من الشوائب الثابتة على الأرض التي تستعمل للزينة . والمعنى أنّ دين المشركين من العرب سيزول كما يزول الكبريت عن الفضة بالتسخين ، أما دين الإسلام فسيبقى في الأرض ثابتاً لامعاً ذا فوائد كثيرة لمن اعتنقه ( وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَ‌ٰلِكَ) أي مِثل هذا المثَل (يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) للناس لعلّهم يهتدون إلى طريق الحق .

31 - نزلت هذه الآية في نفر من مشركي العرب منهم أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أميّة المخزومي، جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى النبي (ع) فأتاهم فقال له عبد الله بن أُمية : إنْ سرّك أن نتّبعَك فسيّر لنا جبال مكة بقراءتك القرآن فأذهِبها عنّا حتى تتفسّح فإنها أرض ضيقة ، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً تجري فنصدّقك ونتّبعك ، أو أحيِ لنا جدّك قصيّاً أو مَن شئتَ من موتانا لنسأله أحقّ ما تقول أم باطل . فنزلت هذه الآية :

(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) كما اقترحوا عليك يا محمد (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) وتفجّرت منها الينابيع (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ) كما طلبوا منك وأجابتهم موتاهم بإنّ محمداً على حق ، لم يؤمنوا لك يا محمد ولم يصدّقوك إلّا أن يشاء الله ذلك . ونظيرها في سورة الأنعام قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}. وقوله (بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) أي أمر هدايتهم وإضلالهم .

33 - (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ) أي رقيب (عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) من حسنات أو سيئات فيرى أعمالها ويحصي أفعالها كمن هو جماد لا يعقل ولا يبصر فيجعلونه شريكاً مع الله في العبادة ويعبدونه (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) من تلك الأصنام (قُلْ) لهم يا محمد (سمُّوهُمْ) بأسماء تلك المادة التي صنعتم منها الأصنام لنرى هل هي خالقة أم مخلوقة وهل هي عالمة بما هو موجود على الأرض وما هو في السماء أم هي أحجار ، فإن قالوا أحجار فقل كيف إذاً تعبدون الأحجار وقد صنعتموها بأيديكم (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ) يعني أم تخبرون الله بذلك وتفرضون عليه بما تهوى أنفسكم ، فلو فكرّتم وتدبّرتم (بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ) من مخلوق ، أي تنبئون الله بالأصنام التي لا علم لها بما في الأرض من مخلوقات ولا علم لها بتعدد اللغات ، فهل تعلم الكلام الخفي للحيوان (أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ) يعني أم تفهم الكلام الظاهر المسموع ، كلّا إنّها جماد لا تعلم بهذا ولا ذاك ، ومن يعبد الأحجار فهو ضالّ عن طريق الحق (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ) أي زيّن الشيطان لهم أعمالهم الباطلة فمكروا بك (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ) أي وصدّهم الشيطان عن طريق الحق (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) يهديه إلى طريق الحق .

-----------------------------------

75 :لم يفهم المفسرون معنى الكلمة فظنوا أنّ الزبَد هو الرغوة التي تطفو فوق الماء فقالوا يعني طافياً ، ففسروا كلمة نامياً بكلمة طافياً .

76 :موجود في الطبيعة على هيئة حصى كبيرة ولكنّه أخف من الحصى وزناً ، لونه رمادي لمّاع مائل إلى السواد . رأيتُ منه في جبال إيران بين طهران وخراسان .

الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم