كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النحل من الآية( 1) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1 - في باديء الأمر كان الإسلام ضعيفاً وكان المسلمون يسألون من الله النصر على المشركين ويكررون القول على النبي ، متى يأتينا النصر ، فنزلت :

(أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) أي أتى أمر الله بالنصر لكم على أعدائكم فلا تستعجلوه ، والخطاب للمسلمين وليس للمشركين ، ولذلك قال بعدها (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ) فلو كان الخطاب للمشركين كما ذهب إليه بعض المفسرين لقال "عما تشركون" والمعنى لا تستعجلوا لأنّ في تأجيله منفعة لكم لا تعلمونها . ومثلها في سورة مريم قوله تعالى {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} .

2 - (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) والمعنى ينزّل الملائكة من السماوات الأثيريّة إلى الأرض بتبعية الروح الأمين جبرائيل الذي هو من مخلوقاته الروحانية ، فكلمة "أمر" كناية كل مخلوق أثيري أي روحاني ، وقوله (عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أن يكون رسولاً ، فيقول الله تعالى للملائكة والرسل (أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) .

9 - (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) . القصد معناه الصلاح والرشاد ، والسبيل هو الطريق ، والمعنى على الله إرشادكم إلى طريق الحق بإرسال الرسل إليكم وعليكم الطاعة والتصديق ، ومن ذلك قول لبيد يمدح آباءه وأجداده الذين ماتوا فيقول :

مَضَوا سَلَفاً قَصدُ السَّبيلِ عَلَيهِمِ ..... بَهِيٌّ مِنَ السُّلاَّفِ لَيسَ بِحَيدَرِ
يعني مضَوا وكانوا مصلحين ومرشدين للناس . وقال طرفة :
وكيف تضلّ القصدَ والحقّ واضحٌ ..... ولِلحقِّ بين الصالحينَ سبيلُ
يقول الشاعر كيف تتعامى عن الرشاد والحق واضح ؟ وقال سراقة :
أبلغْ تميماً غثّها وسمينَها ..... والقولُ يقصِدُ تارةً ويجورُ
يعني تارةً يكون القول على هدَى وتارةً يكون على ضلال . وقال الأعشى :
أجِدَّكَ وَدّعْتَ الصِّبا وَالوَلائِدَا ..... وأصبحتَ بعدَ الجورِ فيهنّ قاصِدا
أي مرشداً .
وهذه الجملة معطوفة على قوله تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) . والمعنى : على الله إرشادكم إلى طريق الحق والصلاح وذلك بإنزال الوحي والكتب السماوية على الأنبياء والرسل لكي يُعلّموكم ويفهموكم ، والقصد من ذلك أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً ، فعلى الله بيان السبيل ولكم الاختيار إن أطعتم اهتديتم وإن عصيتم كفرتم . ومثلها في المعنى في سورة الإنسان قوله تعالى {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} .
وقوله (وَمِنْهَا جَائِرٌ) يعني ومن السبل التي اتّخذتها الناس سبل ضالة عن طريق الحق . ومن ذلك قول جرير :
يا صاحبيّ سلا هذا الملمَّ بنا ..... أنّى اهتدَى وسوادُ الليل موكومُ
أعامداً جاءَ يَسري طولَ ليلتِهِ ... أم جائرٌ عن طريقِ القصدِ مَهيُومُ
فقول الشاعر هل جاء صاحبي قاصداً إليّ أم ضلّ الطريق فوصل نحوي صدفة ؟ وقال امرؤ القيس :
ومن الطريقة جائرٌ وهدىً ..... قصدُ السبيل ومنهُ ذو دَخَلِ
يعني بعضها ضالّة عن طريق الحق وبعضها هدىً وبعضها غشٌ وخديعة .
(وَلَوْ شَاءَ) الله (لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) ولكن يهدي من كان أهلاً للهداية بحسن أخلاقه وعطفه على الفقراء والمساكين ، ويضلّ من يستحق الضلالة بسبب ظلمه وسوء أخلاقه .
26(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) مثل مكرهم ، أي من هؤلاء المشركين مكروا بأنبيائهم وكذّبوهم ، ومن جملة الماكرين الرهط من قوم صالح الذين تشاوروا على قتله ليلاً ، كما تشاور أهل مكة على قتل محمد ليلاً (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ) يعني فهدّم الله بنيانهم من الأساس ، وذلك بأن زلزل الأرض بهم وهم جلوس في بيتٍ يتشاورون على قتل النبي صالح (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ) وماتوا تحته (وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) أي لم يكونوا يشعرون بأنّ السقف سيقع عليهم وأنّ ملائكة العذاب ستعذّبهم على مكرهم هذا . وقصة هؤلاء الرهط فقد جاء ذكرهم في سورة النمل وذلك قوله تعالى {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ . قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}.
ثم أخذ سبحانه يصف المعاندين من المشركين فقال :

33 - (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ) يعني هل ينتظر هؤلاء المشركون إلّا أن تأتيهم ملائكة الموت فتقبض نفوسهم من أجسامهم فحينئذٍ يؤمنون حين لا ينفعهم الإيمان (أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) بالنصر للمؤمنين على المشركين فيُقهَرون ، فما هذا العناد وما هذا التعنت (كَذَ‌ٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) مثل فعلهم فكذّبوا رسُلنا وآذَوهم فأهلكناهم بذنوبهم (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .

39 - (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) من أمر البعث وغيره ممّا اشتبه عليهم معرفته وحقيقته ، وذلك في زمن المهدي . فاللام من قوله (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ) لام العاقبة، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة القيامة {ثم إنّ علينا بيانه} وقال تعالى في سورة الأنعام آية 105 {وَكَذَ‌ٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .

(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) في قولهم لا يبعث الله من يموتُ . ثمّ توعّد الكافرين بالهلاك الدمار فقال تعالى :

40 - (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن) يكون خراباً (نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) كما أردنا بدقيقة واحدة .

74 - (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) أي لا تجعلوا لله الأشباه والأمثال فتقولوا الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله ، فإنّ الله ليس له مثيل ولا شبيه . ومما يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة الزخرف {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} . فالمثَل الذي ضربوه لله هو قولهم الملائكة بنات الله ، والمولود طبعاً يكون مثل الوالد (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) من له منزلة عنده ومن يكرمه بالشفاعة (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ذلك بل تجهلونه .

-----------------------------------
<<السورة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم