كتاب المتشابه من القرآن


كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 143) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

143 - (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) الآية معطوفة على ما سبق من قوله تعالى {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}، والتقدير : كما جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً ، كذلك جعلناكم أمةً وسطاً ، والخطاب للمسلمين ، يعني جعلناكم فصحاء بلغاء أذكياء ، لأنّ الوسط معناه الذكيّ والفاهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة القلم {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} يعني قال أذكاهم وأعلمهم . ومن ذلك قول زهير :

هم وَسَطٌ يرضَى الأنامُ بحكمهمْ ..... إذا طرقتْ إحدَى الليالي بعظيمِ
ثمّ بيّن سبحانه لأيّ سبب جعلهم أمةً وسطاً ، فقال (لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) أي لتكونوا خطباء على الناس ومعلّمين ومرشدين (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) أي خطيباً ومرشداً ، فالشهيد معناه الجليس الذي يحضر مجلسك ويخاطبك وتخاطبه 24 والشهيد معناه الخطيب أيضاً ، ومن ذلك سمّي اللسان شاهداً ، يقال في المثل "ما له رواء ولا شاهد" أي ما له منظر ولا لسان . وقوله تعالى (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) أي جعلناك تترك القبلة التي كنت عليها وتتّجه إلى الكعبة إلاّ لنعلم من يتّبع الرسول في ذلك مِمّن ينقلب على عقبيه ولا يتّبع (وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً ) أي وإن كانت تلك التحويلة من بيت المقدس إلى الكعبة تشقّ عليكم وتعظم لأنّ من تعوّد شيئاً يعظم عليه تغييره (إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ ) أي ولكنّ الذين هداهم الله لا يشقّ ذلك عليهم لأنّهم يمتثلون أمر الله ويسمعون كلام النبيّ ويطيعون ما أمِروا به (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) أي وما كان الله ليضيع أجر تصديقكم وإطاعتكم أمر ربّكم ، حيث (إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) .

144 - في بدء الأمر كره النبيّ أن يصلّي نحو الكعبة لأنّ الأصنام كانت تحيط بِها ، وأراد أن تكون صلاته خالصة لله ، ولئلاّ يتوهّم أحد من قريش أنه يسجد للأصنام ، فلذلك أخذ النبيّ يتّجه بصلاته نحو بيت المقدس ، وكان ذلك باختياره ولم يكن بأمرٍ من الله . وبقي على ذلك سنوات ، فلمّا عابت اليهود المسلمين في ذلك وقالوا لو لم يكن ديننا أحقّ من دينهم ما صلّوا نحو قبلتنا ، فحينئذٍ سأل النبيّ من الله أن ينزّل إليه أمراً في ذلك هل يبقى على قبلة المقدس أم يتّجه نحو الكعبة ، فلمّا صار الليل خرج النبيّ خارج المدينة وهو يقلّب طرفه نحو السماء منتظراً أن تنزل عليه آية في ذلك . ولَمّا لم ينزل عليه شيء في تلك الليلة رجع إلى داره ، وفي الغد نزلت هذه الآية (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ) يا محمّد (فِي السَّمَاء ) لانتظارك الوحي في أمر القبلة (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) أي فلنصرفنّك إلى قبلة ترضى بِها (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أي حوّل وجهك نحو الكعبة (وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ ) أيّها المسلمون من الأمكنة (فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ) أي نحوه (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ ) يعني علماء اليهود (لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ) أي يعلمون بأنّ القرآن حقّ وهو منزّل من ربّهم ، لأنّ أمر تحويل القبلة مذكور عندهم وقد أخبرتهم بذلك رسلهم بأنّ النبيّ الذي يأتي آخر الزمان يصلّي نحو القبلتين ، ولكنّهم يخفون ذلك حسداً منهم (وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) أي عمّا يعمل اليهود مع محمّد من المكر والحسد .

145 - فلَمّا أدار النبيّ بوجهه إلى الكعبة واتّخذها قبلة قالت اليهود : لقد ترك محمّد بيت المقدس الذي بناه داوود وسليمان واتّخذ الكعبة قبلة ، فقال النبيّ : إنْ كان داوود وسليمان وقومهما بنَوا بيت المقدس فإنّ الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل ، وإبراهيم أبو الجميع ، فهلاّ يتبعون قبلة أبيهم وهي أقدم من بيت المقدس . فنزلت هذه الآية (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ ) يعني المعاندين من اليهود والنصارى (بِكُلِّ آيَةٍ ) أي بكلّ حجّة ودلالة (مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ) يا محمّد لأنّ من تعوّد شيئاً يصعب عليه تغييره و تبديله (وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ) أي وكذلك أنت يا محمّد لا يهوى قلبك قبلتهم بل تهوى قبلة آبائك وأجدادك وهي الكعبة ، وإنّما صلّيت نحو قبلتهم اضطراراً لأنّك وجدت الأصنام تحيط بالكعبة ، ولَمّا كسّرتَ الأصنام وطهّرتَ الكعبة منها ، صار قلبك يهواها ولا تهوى بيت المقدس (وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) يعني فلا اليهود تهوى قبلة النصارى ولا النصارى تهوى قبلة اليهود، فاليهود تصلّي نحو بيت المقدس والنصارى تصلّي نحو المشرق وبعضهم لا يتّجه نحو قبلة والصابئة تصلّي نحو الجدي وهو نجم في السماء (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم ) يا محمّد ، يعني لئن اتّبعت آراءهم وعقائدهم الفاسدة (مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ) بالحقائق والوحي الذي أنزله الله عليك (إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) لنفسك ولقومك ، فإيّاك أن تتبع أهواء اليهود والنصارى .

146 - (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) يعني بذلك علماء اليهود والنصارى (يَعْرِفُونَهُ ) أي يعرفون الكتاب الذي جاء به محمّد هو حقّ (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ ) قال عبد الله بن سلام : أنا أعلم به مني بابني ، قال عمر :ولِمَ ؟ قال : لأنّي لست أشكّ في محمّد أنّه نبيّ ولا في القرآن ، أمّا ولدي فلعلّ والدته خانت ، فقبّل عمر رأسه (وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ ) أي من أهل الكتاب (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ ) حسداً منهم وعناداً (وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أنّه نبيّ . وإنّما خصّ فريقاً منهم بكتمان الحقّ لأنّ بعضهم أسلموا .

147 - لَمّا نزل الوحي على محمّد في بادئ الأمر وجاء إلى قريش و أخبرهم بأنه أوحي إليه وأنّه نبيّ بعثه الله إليهم كذّبوه واستهزؤوا به وقالوا إنّ الذي أوحى إليك شيطان25ولم يصدّقه أحد إلاّ زوجته وابن عمّه ، فحينئذٍ اعتراه شكّ في نفسه وتصاغر فقال لو كنت نبياً لصدّقتني قريش كلّها وصدّقتني اليهود والنصارى ، فما أنا وما قدري حتّى أكون نبياً ! فنزلت هذه الآية (الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ) يا محمّد ، فالحقّ يريد به الوحي وهو كلام الله ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام {قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ} والمعنى : إنّ الوحي الذي جاءك يا محمّد هو من ربّك لا من الجنّ ولا من الشياطين كما يظنّ هؤلاء المشركون ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ . وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ . إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} ، وقوله (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) أي من الشاكّين ، يعني لا تشكّ في نفسك يا محمّد وتقول لو كنت نبياً لأطاعوني وصدّقوني ، فإنّ الأنبياء الذين بعثناهم قبلك كذّبتهم أقوامهم وأهانوهم وضربوهم واستهزؤوا بِهم فلا تستنكر ذلك واصبر حتّى ينصرك الله عليهم .

-----------------------------------

24 :ومن هنا يتّضح المقصود من قول السيّد المسيح في إنجيل يوحنّا : "الذي يشهد لي هو آخر وأنا أعلم أنّ شهادته التي يشهدها لي حقّ 5 : 31 وأمّا أنا فلي شهادة أعظم من يوحنّا ، يريد المهدي أعظم من يوحنّا ، والآب الله نفسه الذي أرسلني يشهد لي 5: 37 ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم "يخاطبه ويشافهه ويجالسه " من الآب ، روح الحقّ الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي 15: 26 أي أنّ المهدي يحضره السيّد المسيح . – المراجع

25 :وكذا سيكون في زمن المهدي وإعلان دعوته ، لأنّ الأمين يعدّونه خائناً ويسير الناس أسراباً وراء الخائنين . – المراجع

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم