كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 180) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

180 - ثمّ بيّن سبحانه بأنّ الغنيّ إذا حضرته الوفاة فليوصِ لوالديه ولأقربائه الفقراء بأن يعطوهم من المال الموروث زيادة على حصّتهم فقال (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) أي فُرِض عليكم (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) يعني إذا دنا وقت موته (إِن تَرَكَ خَيْرًا) يعني إن ترك مالاً كثيراً (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ) أي فعليه أن يوصي لوالديه وأقاربه الفقراء سواء كانوا وارثيه أم غير وارثيه ، لأنّ هذه الوصية جعالة غير الإرث وخاصة للفقراء منهم ، وذلك بأن يعطيهم الوصيّ من المال الموروث يعني من النقود أو الأطعمة كالحنطة والتمر والزبيب ..الخ على مقدار ما أوصى به الميّت (بِالْمَعْرُوفِ) أي بالشيء المناسب لهم وذلك بأن يعطي المحتاج منهم أكثر (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) أي حقاً واجباً على من آثر التقوى .

181 - (فَمَن بَدَّلَهُ ) أي فمن بدّل كلام الموصي ، يعني بدّل الوصية (بَعْدَمَا سَمِعَهُ ) من الموصي (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ ) أي إثم التبديل (عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) من الموصي والشهود ، يعني على الذين يبدّلون وصية الميّت (إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ ) لأقوالهم (عَلِيمٌ) بأفعالهم .

182 - (فَمَنْ خَافَ) أي خشي (مِن مُّوصٍ) أي من الموصي ، وذلك عند وصيّته قبل وفاته (جَنَفًا) أي ميلاً عن الحقّ فيما يوصي به لأقربائه (أَوْ إِثْمًا) الإثم أن يكون الميل عن الحقّ على وجه العمد ، والجنف أن يكون الميل على وجه الخطأ من حيث لا يدري (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) أي فأصلح ذلك الشخص الحاضر عند المريض وقت وصيّته بين المريض الموصي وبين أقربائه ، بأن يقول له إنّ فلاناً من أقربائك وهو فقير فلا تنسَه ، وفلان يتيم وهو من أقربائك فاجعل له جعالة ، وزيد محتاج فأعطِ زيداً أكثر من عمرو ، فهذا الرجل المصلح (فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ) بل يؤجر على ذلك (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ) يغفر للميّت إذا أوصى لوالديه وأقاربه الفقراء والأيتام والأرامل (رَّحِيمٌ) بالفقراء إذْ جعل لهم جعالة وأوصى لهم بالزكاة .

تعريف
للمستحضر أن يوصي بثلث من ماله ليصرف بعد وفاته ، أو يهب منه على أقربائه أو غيرهم من الفقراء قبل موته والباقي يصرَف بعد وفاته على إطعام الفقراء والأيتام أو كسوتهم أو غير ذلك مِمّا أوصى به الميّت وليس للمستحضر أن يهب لأحد أو يوصي بالإنفاق من ماله بعد موته أكثر من الثلث إذا كان له أولاد ، ولا يجوز للوصي أن يتصرّف بأموال الموصي برأيه ، ويجب أن يقام ناظر على الوصي لئلاّ يخون الوصية فيأكل من مال الأيتام ، ويجب أن يكون الناظر من أقرباء الميّت وإذا لم يوجد أحد من أقرباء الميّت أو من الورثة فمن غيرهم ولا يجوز أن يكون الناظر أبا الوصيّ أو ابنه أو أخاه لئلاّ يتّفق مع الوصيّ على أكل مال الأيتام ، وإذا زاد من الثلث عند الوصيّ بعد العمل بالوصيّة يجب أن يعاد للورثة ويقسّم عليهم . وتبقى وصاية الوصيّ ثابتة على صغار الورثة حتّى يبلغوا رشدهم ، أمّا البالغ رشده وصاحب الحقّ من الورثة له أن يتصرّف في حقّه كيف يشاء وليس للوصيّ حقّ عليه .

183 - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) كاليهود والنصارى وغيرهم (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أي لكي تتّقوا المعاصي بفعل الصوم .

184 - ثمّ بيّن سبحانه مدّة الصيام فقال (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ) ويريد بذلك أيام شهر رمضان ، وإنّما سمّاها معدودات لأنّ الشهر القمري قد يكون 29 يوماً أو 30 يوماً ولا يكون 31 ، وكانت العادة عند العرب أنّهم يعدّون الدراهم إذا كانت تحت الثلاثين وإذا زادت عن ذلك فإنّهم يزِنونَها وزناً ولا يعدّونها (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ) وهنا حذف في الكلام والتقدير : فمن كان مريضاً أو على سفر وكان لا يطيق الصوم فعدّة من أيّامٍ أخر . يدلّ على ذلك قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) . (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) أي فليفطر تلك الأيام التي مرض بِها أو سافر فيها ثمّ يصوم بعد ذلك على عددها (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) أي وعلى الذين يطيقون الصوم من المرضى والمسافرين فدية إذا أفطروا ولم يصوموا . ثمّ بيّن سبحانه مقدار الفدية فقال (طَعَامُ مِسْكِينٍ ) أي إطعام مسكين واحد عن كلّ يوم من إفطاره ، وذلك بأن يعطي نصف صاع من الحنطة عن كلّ يوم (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ) أي فمن أطعم أكثر من مسكين (فَهُوَ ) أي التطوّع بالطعام للمساكين (خَيْرٌ لَّهُ ) عند ربّه ، أي للمتطوّع (وَأَن تَصُومُواْ ) أيها المرضى والمسافرون الذين تطيقون الصوم (خَيْرٌ لَّكُمْ ) من الإفطار والفدية (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) منافع الصوم للصحة والجزاء في الآخرة .

ويباح الإفطار للمسافر ما دام في الطريق ، فإذا وصل المدينة التي قصدها وأراد أن يقيم فيها يوماً واحداً فعليه أن يصوم ذلك اليوم ولا يباح له الإفطار إلاّ إذا سافر إلى غيرها ، والدليل على ذلك قوله تعالى في آخر هذه السورة {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} يعني إذا تداينتم في الطريق قبل أن تصلوا المدينة ، لأنّ في المدينة كثيراً من الكتبة موجودون .
والمريض يباح له الإفطار إن كان لا يطيق الصيام ، ثمّ يصوم بدل ما أفطر عند الصحة . وأمّا المريض الذي يطيق الصيام وأراد الإفطار فعليه دية الإفطار ويصوم بدلها عند الصحة . وكذلك المسافر إن كان لا يطيق الصيام بسبب الحرّ إن كان وقت الصيف ، أو كان ماشياً على قدميه ولا يتمكّن من الصيام بسبب التعب ، أو كان في الحرب أو غير ذلك من الأسباب فيباح له الإفطار ثمّ يصوم بدلها عند رجوعه إلى بلده إذا رجع وعند الإمكان إذا لم يرجع . وأمّا المسافر الذي يتمكّن من الصيام لزوال هذه الأسباب فعليه دية الإفطار إذا أفطر ويصوم بدلها عند رجوعه إلى بلده .

186 - سأل النبيَّ أحدُ أصحابه قائلاً : أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت هذه الآية (وَإِذَا سَأَلَكَ ) يا محمّد (عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ) أي أسمع دعاء الداعي كما يسمعه قريب المسافة منهم (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) أي ألبّي الداعي لدعوته وأجيبه عند طلبته وأفعل ما هو الصالح له ، فإنْ كان في دعواه صلاح له أعطيته ما طلب ، وإذا لم يكن فيها صلاح أخّرت طلبه لوقت آخر (فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي ) بالطاعة ، أي فليطلبوا إجابتي لهم ورضاي عنهم بالطاعة لي . فلفظة أجاب معناها جاوبه على سؤاله ، ولفظة استجاب معناها طلب منه الجواب على سؤاله . وهذا مثل قولهم أوقد واستوقد ، وأمسك واستمسك ، فأوقد معناها أشعل النار واستوقد معناها طلب إيقاد النار ، فكذلك لفظة أجاب واستجاب (وَلْيُؤْمِنُواْ بِي ) أي وليصدّقوا رسلي وبي , يعني بما وصفوني عندهم بأنّي واحد كريم مجيب غفور إلى غير ذلك من الصفات الحسنى (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) أي لعلّهم يصيبون الحقّ ويهتدون إليه .

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم