كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 24) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

24 - (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ) يعني فإن لم تأتوا بسورة من مثله وعجزتم عن ذلك ولن يستجيب لكم شهداؤكم عند دعائكم لهم ، إذاً (فَاتَّقُواْ النَّارَ) بإيمانكم ، أي صدّقوا محمّداً كي تتّقوا النار ولا تتعذّبوا فيها تلك (الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ) يعني تكون الناس لَها مقام الحطب (وَالْحِجَارَةُ) هي نار البراكين والأحجار المبيضة من شدة الحرارة التي تقذف بِها البراكين من جوف الأرض ، وقد سبق تفسيرها في كتابنا الكون والقرآن ، (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) أي هيّئت لهم .

آراء المفسّرين
لقد اختلف المفسّرون في كلمة { شُهَدَاءكُم} فظنّوها جمع شاهد ، ولذلك لم يفهموا معنى الآية وإليك أقوالهم عن [مجمع البيان] صفحة 62: " { وادعوا شهداءكم } قال ابن عباس يعني أعوانكم وأنصاركم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم وسمى أعوانهم شهداء لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة والشهيد يكون بمعنى المشاهد كالجليس والأكيل ويسمى الشاهد على الشيء لغيره بما يحقق دعواه بأنه شهيد أيضاً وقولـه: { من دون الله } أي من غير الله كما يقال ما دون الله مخلوق، يريد وادعوا من اتخذتموهم معاونين من غير الله { إن كنتم صادقين } في أن هذا الكتاب يقولـه محمد من نفسه. وقال الفراء: أراد وادعوا آلهتكم وقال مجاهد وابن جريج: أراد قوماً يشهدون لكم بذلك ممن يقبل قولـهم وقول ابن عباس أقوى لأن معناه استنصروا أعوانكم على أن يأتوا بمثله لأن الدعاء بمعنى الإستعانة كما قال الشاعر:
فَلَمَّا الْتَقَتْ فرْسانُنا وَرِجالُنَا ..... دَعَوْا يا لَكَعْبٍ واعْتَزَيْنَا لِعامِرِ
وقال آخر:
وَقَبْلَكَ رُبَّ خَصْمٍ قَدْ تَمالُوا ..... عَلَيَّ فَما جَزَعْتُ وَلاَ دَعَوْتُ
وأما قول مجاهد فلا وجه له لأن الشاهدين لا يخلو إما أن يكونوا مؤمنين أو كفاراً فالمؤمنون لا يكونون شهداء للكفار والكفار لا بّد أن يسارعوا إلى إبطال الحق أو تحقيق الباطل إذا دعوا إليه فمن أي الفريقين يكون شهداؤهم ولكن ينبغي أن يجري ذلك مجرى قولـه تعالى:
{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}[الإِسراء: 88] ، وقال قوم إن هذا الوجه جائز أيضاً صحته لأن العقلاء لا يجوز أن يحملوا نفوسهم على الشهادة بما يفتضحون به في كلام أنه مثل القرآن ولا يكون مثله كما لا يجوزأن يحملوا نفوسهم على أن يعارضوا ما ليس بمعارض على الحقيقة." إنتهى .

25 - (وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ ) سبق تفسيرها في كتابنا  الإنسان بعد الموت ، [تحت عنوان الجنان ]

26 - (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا) يعني مثلاً من الأمثال من صغير الحشرات إلى كبار الحيوانات ، وذلك قوله تعالى (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) أي فما تجاوزها وزاد عليها ، لأنّ الله تعالى لَمّا ضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت تكلّم فيه قوم من المشركين وعابوا ذكره وقالوا ماذا أراد الله بالعنكبوت فيضرب به مثلاً ، وما هذه الأمثال إلاّ من محمّد ؛ فأنزل الله هذه الآية ، ومعنى (لاَ يَسْتَحْيِي) يعني لا يرى في ذلك من حياء ، أي لا يرى من عيب في ضرب الأمثال بالحشرات لأنّه هو الذي خلقها وهو أعلم بضعفها وقوّتِها وطباعها ولا فرق بينكم وبينها في الخلقة فهي مخلوقاته وأنتم عبيده . والبعوض صغار البقّ وإنّما لم يقل بعوضةً فما أكبر منها ، لأنّ ذلك يدلّ على الكبر فقط ، وأراد سبحانه بلفظة (فَمَا فَوْقَهَا) الغريزة والقوّة والكبر ، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ) أي القرآن منزل من ربّهم وليست هذه الأمثال من محمّد (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا) أي بالحشرات فيضرب بِها (مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) لأنّ الناس على قسمين صالح وفاسق : فالصالح من كانت أخلاقه حسنة صادق القول كريم النفس رحيم القلب رؤوف بالمساكين لا يتكبّر على الضعفاء ، وأمّا الفاسق فهو عكس ذلك كاذب في قوله متكبّر في نفسه ظالم جائر نمّام بخيل ، فإن لم تكن هذه الصفات كلّها فيه فبعضها . فالصالحون يتّبعون المحكم من القرآن فيهتدون به ويتركون حكم المتشابه إلى الله . أمّا الفاسقون فيتركون المحكم ويعترضون على المتشابه فيضلّون به ، وذلك قوله تعالى (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) يعني كثيرٌ من الناس يضلّون عن الحقّ باتباعهم المتشابه من القرآن ، وكثيرٌ من الناس يهتدون باتباعهم المحكم من القرآن دون الالتفات إلى المتشابه (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) يعني إلاّ من كان سيّء الأخلاق . ثمّ أخذ سبحانه في ذمّ الفاسقين فقال :

27 - (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ) يعني ينقضون العهد الذي عاهدوا به أنبياء الله الماضين بأن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يقتلوا النفس التي حرّم الله قتلها ولا يزنوا ، وقد أخلفوا الله ما عاهدوه (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ) يعني ويقطعون صِلة الرحم التي أمر الله بصلتها (وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ) بالفتن وقطع السبيل ويصدّون من آمَن بمحمّد (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فأبدلوا النعيم بالجحيم .

28 - (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ) إنّ هذه الآية لَها معنيان أحدهما يدلّ على خلق آدم والثاني يدلّ على خلق نسله ، أمّا خلق آدم فقد شرحتها شرحاً وافياً في كتابي الكون والقرآن تحت عنوان الحياة انتقالية ، أمّا خلق نسله فخلقهم من عناصر أرضية فكان منها الغذاء وكان من الغذاء المني وكان من المني الجنين ، فقوله تعالى (كُنتُمْ أَمْوَاتاً) يعني كنتم جماداً فجعلكم أحياء تسمعون وتبصرون . ويؤيّد ذلك قوله تعالى في سورة ياسين {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} . فجسم الإنسان يتكوّن من مواد أرضية وذلك من مركّبات الكبريت والفسفور والصوديوم والبوتاسيوم والكلس والحديد ، فالأشجار تمتصّ هذه المواد من الأرض فتصبح فيها فاكهة فإذا أكلها الإنسان أخذ جسمه ينمو ويكبر بِهذه الأغذية ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) عند انتهاء أعماركم ( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) الحياة الأثيرية ، وذلك بعد الموت في عالم الأثير (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) يوم القيامة ، أي يرجع حكمُكم إليه فيحكم بينكم بالعدل .

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم