كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 243) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

243 - (أَلَمْ تَرَ ) أيّها السامع ، والمعنى ألم تسمع بقصّة هؤلاء فتتفكّر في أمرهم وتعتبر بقصّتهم ، فلفظة "ترى" مأخوذة من الرأي وهو الفكر والعلم (إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ) هاربين من أعدائهم ، وهم بنو إسرائيل خرجوا من مصر مع موسى بن عمران (وَهُمْ أُلُوفٌ ) في العدد ، فكان عددهم ستمائة ألف رجل عدا الأطفال [خروج – الإصحاح الثاني عشر (التوراة) ] ، ساروا حتّى نزلوا قرب أرض كنعان ، فأمرهم موسى بجهاد عدوّهم والدخول إلى قرية أريحا فامتنعوا عن الجهاد (حَذَرَ الْمَوْتِ ) أي خرجوا من ديارهم حذراً من الموت تحت حكم فرعون لأنّه استعبدهم وقتل أبناءهم ، ونزل الطاعون بهم أيضاً فمات شيوخهم فهربوا من مصر ، ولَمّا أمرهم موسى بجهاد أعدائهم امتنعوا خوف القتل أيضاً (فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ) في هذا القفر فإنّكم لا تدخلون أرض كنعان بل يدخلها أولادكم بعد أربعين سنة هذا جزاء عنادكم وتكبّركم على الله وعلى رسوله .

فمات الآباء بالتدريج في تلك البرّية ولم يبق منهم إلاّ رجلين وهما يوشع بن نون وكالب بن يفنّة لأنّهما كانا صالِحَين (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) بعد أربعين سنة ، أي أحيا ذكرهم بأولادهم حيث نصرهم على أعدائهم وأدخلهم أرض كنعان ، فالموت كناية عن الذلّ كقوله تعالى في سورة آل عمران {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} . والإحياء كناية عن العزّ والنصر (إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) بكثرة النعم والتجاوز عن سيّئاتهم (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) هذه النعم بل يكفرون بدل الشكر .
ومضمون الآية أنّ الله تعالى يحرّض المؤمنين على جهاد عدوّهم لينتصروا عليهم ويحيون كأولاد بني إسرائيل لَمّا جاهدوا وانتصروا ، ولا يمتنع المسلمون عن الجهاد فيهلكوا ويموتوا كما مات بنو إسرائيل .

246 - (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ ) أي إلى جماعة الأشراف والرؤساء (مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ ) وفاة (مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ) وهو صموئيل الأوّل (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا ) أي اجعل لنا ملكاً لكي (نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ ) صموئيل (هَلْ عَسَيْتُمْ ) أي هل ثبتّم على قولكم وأصررتم على محاربة أعدائكم ، ولا تزال هذه الكلمة مستعملة عندنا في العراق ولكن أبدلوا السين بالصاد لتقارب الحرفين فيقولون "عصى" بدل "عسى" وذلك إذا أراد أحد أن يقلع مسماراً من خشبة بيده أو من الجدار ولم يتمكّن من قلعه فيقول عاصي لا ينقلع ، يريد ثابت في مكانه لا ينقلع ، ومثل هذه الكلمة قوله تعالى في سورة التكوير {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} يعني إذا ثبت مكانه وطال زمانه ، ويكون ذلك حين وقوف الأرض عن دورتها المحورية فحينئذٍ يكون طول الليل ألف سنة من سنيّنا وكذلك يكون طول النهار ، (إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ) قالوا نعم ثابتين على قولنا ومصرّين على قتال أعدائنا ، فقال صموئيل أخاف (أَلاَّ تُقَاتِلُواْ ) وتجبنوا كما جبن قوم موسى لَمّا أمرهم أن يحاربوا الكنعانيّين ويدخلوا أريحا .

(قَالُواْ ) أي قال الملأ من بني إسرائيل (وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) معناه وأيّ داعٍ لنا إلى ترك القتال وأيّ غرض لنا فيه (وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا ) مطرودين ، لأنّ الفلسطينيّين حاربوهم وأخذوا بلادهم وأسروا أولادهم .
فاليهود كانوا يقيمون في أرض كنعان وأعداؤهم في فلسطين (وَأَبْنَآئِنَا ) أسرى (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ ) على يد الملِك الذي طلبوه (تَوَلَّوْاْ ) أي أعرضوا عن القيام به وضيّعوا أمر الله (إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ) وَفَوا بعهدهم وقاتلوا عدوّهم (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) هذا تهديد لِمَن يتولّى عن القتال .

247 - (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ) صموئيل (إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ ) أي اختار لكم (طَالُوتَ مَلِكًا ) وقد بعثه أبوه من جعبة إلى أرض صوف ، وهو شاب حسن الصورة من نسل بنيامين بن يعقوب ، واسمه شاؤول وأبوه قيس ، وإنّما سمّي طالوت لطوله لأنّه كان أطول الرجال في زمانه ، وكان هذا الاسم يكنّى به كلّ رجل طويل ، وما تزال هذه العادة موجودة بين الناس إذ يكنّون كلّ شخص طويل بإسم "طنطل" . وكانت لأبيه أتن ": حمير" ضلّت فبعثه أبوه ليتجسّس عنها فصار طريقه على النبيّ صموئيل ، وكان الله تعالى قد أوحى إليه بأنّ رجلاً من بنيامين سيأتيك غداً وأوصافه كذا وكذا فامسحه ملكاً على بني إسرائيل . فلمّا جاءه بشّره بالملوكيّة وأنبأه عن مستقبل حياته وصبّ على رأسه قنينة الزيت "عطر" ومسحه ليكون ملكاً على بني إسرائيل .

فلمّا أخبرهم صموئيل بأنّ طالوت يكون ملكاً أنكروا ذلك و(قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا ) يعني من أين له الملك ؟ لأنّ النبوّة كانت في سبط لاوي بن يعقوب ، والملك في سبط يهوذا ، وطالوت من سبط بنيامين (وَنَحْنُ أَحَقُّ ) أي أولى (بِالْمُلْكِ مِنْهُ ) لأنّنا من سبط النبوّة والمملكة (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ) لكي يقوم بشأن المملكة (قَالَ ) نبيّهم (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ ) أي اختاره من بينكم وهو أعلم بالمصالح منكم (وَزَادَهُ بَسْطَةً ) أي سعة (فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ) والمَلِك لا بدّ أن يكون من أهل العلم وأن يكون جسيماً لأنّه أعظم في النفوس وأهيَب في القلوب (وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء ) وليس ذلك بالوراثة (وَاللّهُ وَاسِعٌ ) الفضل والعطاء يوسّع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر (عَلِيمٌ ) بمن يصطفيه لذلك .

248 - فحينئذٍ قالوا نريد علامة على صحّة قولك بأنّ الله جعله ملكاً علينا (وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ) أي علامة تمليك الله لطالوت (أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ) أي يرجع إليكم ، وكان أعداؤهم أخذوه منهم في الحرب ، لأنّ بني إسرائيل كانوا يحملونه أمامهم في الحرب فينتصرون على أعدائهم ، فلمّا أشركوا بالله وعملوا المعاصي انتصر عدوّهم عليهم وأخذوا التابوت منهم .

وكان التابوت من خشب السنط طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف مغشّى بصفائح الذهب من داخل ومن خارج وفيه أربع حلقات من ذهب على قوائمه الأربع يرفع بِها وعليه إكليل من الذهب . وقد صنِع التابوت في عهد موسى وكانت فيه قطع الألواح التي كتب فيها التوراة وهي من حجر وفيه بعض ملابس موسى وهارون .
فلمّا أخذه الفلسطينيّون أنزل الله عليهم الوباء فمات كثير منهم فعلموا أنّ الذي أصابهم كان بسبب التابوت فوضعوه على عربة وشدّوا بِها بقرتين وساقوهما ، فبعث الله تعالى ملائكة تسوق البقرتين إلى بني إسرائيل فأخذوه وفرحوا به . فقوله تعالى (فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) أي في رجوعه تهدئة لقلوبكم وتطميناً لنفوسكم (وَ ) فيه (بَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ) أي مِمّا ترك رجالهم وأولادهم ، ويريد بذلك الأسفار التي كتبوها بعد وفاة موسى عن تاريخ بني إسرائيل ورحلاتهم وحروبهم ، وفيه قطع الألواح الحجرية ولوحا الشهادة أي التوراة وقنينة عطر وبعض ملابس موسى وهارون (تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ ) يقال زيد حملني على قتل عمرو ، أي دعاني إلى قتله وساقني إلى ذلك ، فقوله تعالى (تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ ) أي تدفعهم إلى إرجاع التابوت لبني إسرائيل وتسوقهم إلى ذاك ، حتّى وضعوه على عربة وأطلقوها ، فأخذت الملائكة تسوق البقرتين إلى بني إسرائيل حتّى أوصلته إليهم (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ ) أي في رجوع التابوت إليكم علامة لكم على مُلك طالوت (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) أي إن كنتم مصدّقين .

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم