كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 248) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

248 - فحينئذٍ قالوا نريد علامة على صحّة قولك بأنّ الله جعله ملكاً علينا (وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ) أي علامة تمليك الله لطالوت (أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ) أي يرجع إليكم ، وكان أعداؤهم أخذوه منهم في الحرب ، لأنّ بني إسرائيل كانوا يحملونه أمامهم في الحرب فينتصرون على أعدائهم ، فلمّا أشركوا بالله وعملوا المعاصي انتصر عدوّهم عليهم وأخذوا التابوت منهم .

وكان التابوت من خشب السنط طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف مغشّى بصفائح الذهب من داخل ومن خارج وفيه أربع حلقات من ذهب على قوائمه الأربع يرفع بِها وعليه إكليل من الذهب . وقد صنِع التابوت في عهد موسى وكانت فيه قطع الألواح التي كتب فيها التوراة وهي من حجر وفيه بعض ملابس موسى وهارون .
فلمّا أخذه الفلسطينيّون أنزل الله عليهم الوباء فمات كثير منهم فعلموا أنّ الذي أصابهم كان بسبب التابوت فوضعوه على عربة وشدّوا بِها بقرتين وساقوهما ، فبعث الله تعالى ملائكة تسوق البقرتين إلى بني إسرائيل فأخذوه وفرحوا به . فقوله تعالى (فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) أي في رجوعه تهدئة لقلوبكم وتطميناً لنفوسكم (وَ ) فيه (بَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ) أي مِمّا ترك رجالهم وأولادهم ، ويريد بذلك الأسفار التي كتبوها بعد وفاة موسى عن تاريخ بني إسرائيل ورحلاتهم وحروبهم ، وفيه قطع الألواح الحجرية ولوحا الشهادة أي التوراة وقنينة عطر وبعض ملابس موسى وهارون (تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ ) يقال زيد حملني على قتل عمرو ، أي دعاني إلى قتله وساقني إلى ذلك ، فقوله تعالى (تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ ) أي تدفعهم إلى إرجاع التابوت لبني إسرائيل وتسوقهم إلى ذاك ، حتّى وضعوه على عربة وأطلقوها ، فأخذت الملائكة تسوق البقرتين إلى بني إسرائيل حتّى أوصلته إليهم (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ ) أي في رجوع التابوت إليكم علامة لكم على مُلك طالوت (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) أي إن كنتم مصدّقين .

249 - (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ ) يعني فلمّا سار بهم وانفصلوا عن بلادهم ، وكان عددهم ثلاثمائة ألف (قَالَ ) طالوت لجنوده (إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ) أي مختبركم وممتحنكم ، وذلك ليعلم طالوت من يصبر منهم على القتال ومن هو قليل الصبر ، وكان الاختبار على ذلك بالصبر على العطش عند حضور الماء ، فمن صبر ولم يشرب من النهر فهو يصبر على القتال وهو ذو عزم وثبات ، ومن لم يصبر على العطش فلا يصبر على القتال أيضاً ، وذلك قوله (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ ) أي من ماء النهر (فَلَيْسَ مِنِّي ) أي ليس من أصحابي وأتباعي (وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ) يعني من لم يشرب منه ولم يذق طعمه فإنّه من أتباعي (إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ) سهواً ثمّ رمى بِها ولم يشربها فلا بأس عليه . ثمّ أخبر الله تعالى عنهم فقال (فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ) أي فشربت جنوده من ماء النهر إلاّ قليلاً منهم لم يشربوا ، وكان عدد الذين لم يشربوا ثلاثمائة رجل 34، (فَلَمَّا جَاوَزَهُ ) أي فلمّا جاوز النهر (هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ) أي طالوت وجنوده الذين آمنوا بأنّ الله سينصرهم (قَالُواْ ) أي قال الذين شربوا من النهر (لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ) أي لا قوّة لنا بقتالهم ، وهم العمالقة (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ ) وهم الذين لم يشربوا من النهر (كَم مِّن فِئَةٍ ) أي فرقة (قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ ) أي بإرادة الله ، ومعناه إذا أراد الله نصر قوم على أعدائهم أذِن لملائكته أن تأتي إلى هؤلاء فتشجّعهم بالوحي والإلهام وتثبّتهم على القتال ، وتأتي إلى أعدائهم فتخذلهم وتلقي الرعب في قلوبهم حتّى ينهزموا ويكون النصر للفئة القليلة (وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) بالنصرة لهم على أعدائهم .

250 - (وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ) أي لَمّا خرجوا لقتالهم ، وجالوت يسمّى بالعبريّة جليات وهو رئيس الفلسطينيّين وأشجعهم (قَالُواْ ) أصحاب طالوت (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ) على القتال (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ) بتقوية قلوبنا وإلقاء الرعب في قلوب أعدائنا (وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) قوم جالوت .

251 - (فَهَزَمُوهُم ) يعني أصحاب طالوت هزموا أصحاب جالوت (بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ ) يعني لداوود 35، فصار ملِكاً على بني إسرائيل بعد طالوت "شاؤول" (وَالْحِكْمَةَ ) أي العلم والمعرفة فكان نبيّاً وملِكاً وعالماً (وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء ) أن يعلّمه من العلم ومنطق الطير وصنعة الدروع (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ) أي لولا أنّ الله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين لفسد أهل الأرض كلّهم وذلك بالكفر والمعاصي ، ولفسدت الأرض أيضاً عقوبةً لَهم وذلك بقلّة النبات والأثمار وكثرة الحشرات والميكروبات التي تسبّب الأمراض . وذلك كقوله تعالى في سورة الروم {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} ، (وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) بإزالة أكثر الفساد عنهم .

252 - (تِلْكَ ) إشارة إلى ما تقدّم من تمليك طالوت وهو رجل فقير ، وتمليك داوود وهو راعي غنم ، ونصرة داوود على جالوت وهو شاب صغير ، وإرجاع التابوت إلى بني إسرائيل وهو ذهب ثمين ، فتلك (آيَاتُ اللّهِ ) أي دلالات الله على قدرته (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ ) يا محمّد ، أي نقرؤها عليك (بِالْحَقِّ ) أي بالصدق لا اختلاف فيها (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) إلى قومك كما أرسلنا أولائك إلى قومهم فبشّر وأنذر.

254 - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ) بمحمّد (أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم ) في سبيل الله ولا تبخلوا بالمال (مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ ) أي يوم القيامة (لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ) ولا شراء (وَلاَ خُلَّةٌ ) بين الكافرين ، أي لا محبّة بينهم ولا صداقة (وَلاَ شَفَاعَةٌ ) للجاحدين والمشركين (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) لأنفسهم فإنّ الله لا يظلم الناس شيئاً .

-----------------------------------

34 :ومن عجب أنّ مسلمي بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ،وكذا سيكون أصحاب المهدي . –– المراجع

35 :ذكرت التوراة أنّ داوود أخذ حصاة من الأرض فوضعها في صكبانه "مِعجاله" ورمى بِها جالوت فأصابت جبهته فسال الدم على وجهه وسقط على الأرض فهجم عليه داوود وقطع رأسه ، وهجم أصحابه على الفلسطينيّين فهزموهم . –– المراجع

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم