كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 259) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

259 - لّمّا ذكر الله تعالى في الآية السابقة مجادلة النمرود مع سيّدنا إبراهيم ذكر في هذه الآية مجادلة عزريا مع النبيّ إرميا فقال:

(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ) وهو عزريا بن هوشعيا [وهذا غير عزرا بن سرايا الذي كتب التوراة بعد تمزيقها] والقرية هي بيت المقدس (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) أي متهدّمة لأنّ نبوخذنصر قد هدّمها ، فجاء عزريا مع جمع من اليهود من نواحي بيت المقدس ليذهبوا إلى مصر خوفاً من الكلدانيّين فمرّوا ببيت المقدس وهي متهدّمة ، فسألوا النبيّ إرميا قائلين أنذهب إلى مصر أم نقيم في بيت المقدس ، فقال لهم لا تذهبوا إلى مصر بل ابقوا هنا والله تعالى يجمعكم بعد التشتيت ويعمّر هذه القرية بعد خرابِها (قَالَ ) عزريا مستنكراً ذلك (أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ) أي كيف تعمر هذه القرية بعد الخراب ، وكيف تجتمع بنو إسرائيل بعد القتل والتشتيت فهذا لا يمكن ، فإنّنا لا نبقى هنا بل نذهب إلى مصر .
فلمّا ساروا تاه عزريا في الطريق فلجأ إلى كهف كان في طريقه فدخله هو وحماره ونام ليلته في الكهف فانحدرت صخرة من الجبل وسدّت باب الكهف فمات في مكانه ومات حماره أيضاً فتبدّدت أوصالهما وتناثر لحمهما داخل الكهف ، وبعد مائة سنة خلق الله تعالى جسم عزريا من تلك الرمم البالية وكذلك خلق جسم حماره في ذلك الكهف 36 ولكن تمّ خلق جسم عزريا قبل حماره فبعث الله فيه الروح فقام حياً ، وتفطّرت الصخرة وسقطت عن باب الكهف ، فبعث الله تعالى ملَكاً على صورة إنسان يسأله فقال له : كم لبثت في هذا المكان ؟ قال عزريا : يوماً أو بعض يوم ، لأنّه ظنّ أنّه كان نائماً فانتبه من نومه ، فقال الملَك : بل لبثت مائة عام ، فقال عزريا : ما الدليل على ذلك ؟ قال : أنظر إلى حمارك في دور التكوين بارزاً عن الأرض مخلوقاً من الطين وانظر إلى العظام كيف ننشزها عن الطين أي كيف نرفعها من التراب الرطب ونجعلها على هيئة حمار ثمّ نكسوها لحماً من ذلك الطين بالتدريج ثمّ نتمّم خلقه فيكون حماراً كاملاً .
فصار عزريا ينظر إلى حماره وهو ممدود في الطين في دور التكوين فلمّا تمّ خلقه نهض من الأرض وقام ، فحينئذٍ قال عزريا : أعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير .
التفسير :
(فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ) في ذلك الكهف (ثُمَّ بَعَثَهُ ) والمعنى بعث روحه إلى جسمه ، أي أحياه بعد تلك المدة ، فبعث الله ملَكاً يسأله (قَالَ ) الملَك لعزريا (كَمْ لَبِثْتَ ) في هذا الكهف (قَالَ ) عزريا (لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ ) الملَك (بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ ) لم ينتن (وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ) أي لم يتغيّر مع كثرة السنين (وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ) في دور التكوين كيف يقوم من الطين الناشف (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ) ليستدلّوا على قدرة الله (وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ ) التي لحمارك المتكوّنة من تراب رطب (كَيْفَ نُنشِزُهَا ) أي كيف نرفعها من طين ناشف ونجعلها على هيئة حمار (ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ) بالتدريج من ذلك التراب الرطب (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ) أي تبيّن لعزريا وشاهد بعينه إحياء حماره (قَالَ أَعْلَمُ ) أي أتيقّن (أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) . فلمّا رجع إلى بيت المقدس وجدها عامرة بالبناء وآهلة بالسكّان . فإن شئت زيادة إيضاح على خلق الأجسام من التراب فاقرأ كتابنا الرد على الملحدين تحت موضوع رأي العين .

273 - هذه الآية معطوفة على آية 271 وهي قوله تعالى (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ..الخ ) ، وتكون هذه الآية بعدها .

لَمّا ذكر سبحانه في تلك الآية بأنّ الصدقات للفقراء ، خصّ في هذه الآية بعض الفقراء بالأقدميّة فقال (لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) الحصار هو المنع والحبس ، ويريد بذلك الفقراء من المهاجرين الذين منعوهم أموالهم وحبسوها عنهم فلم يبقَ لهم من المال ما يتاجرون به ولا ما يكتسبون فيه . وكذلك المجاهدين لأنّهم منعوا أنفسهم عن الكسب والتجارة بالحرب والدفاع عن الدين وعن إخوانهم المسلمين .
ويدخل في ذلك طالب العلم والواعظ لأنّهم منعوا أنفسهم عن الكسب ، وقوله (لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا ) أي ذهاباً وتصرّفاً (فِي الأَرْضِ ) للكسب والتجارة (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ ) بحالهم (أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ ) أي يظنّهم الجاهل بحالهم أنّهم أغنياء وذلك لِما يرى منهم التعفّف ، والتعفّف هو الامتناع عن السؤال والتجمّل في اللباس والستر لِما هم فيه من الفقر (تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ) أي تعرف حالهم بالنظر إلى وجوههم لِما فيها من علامة الفقر (لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ) أي إلحاحاً في المسألة بل يعبّرون بكلمات تنبئ عنهم أنّهم فقراء (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) فيجازيكم عليه ويزيدكم من فضله بِما أنفقتم .

275 - ثمّ حذّر سبحانه عن أخذ الربا وبيّن ما لصاحبه من العذاب يوم القيامة فقال (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ) في الدنيا (لاَ يَقُومُونَ ) يوم القيامة من قبورهم (إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ) السكران (الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) التخبّط هو الضرب على الأرض والسير على غير اهتداء ، والمسّ هو شدّة السكر وهي كلمة عربيّة استعملتها الفرس ، فتقول في أغانيها :"مس بودم هوشيارم كردي" أي كنت سكراناً فأصحيتني . فقوله تعالى (إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) يعني كمثل السكران الذي يتخبّطه الشيطان من شدّة السكر فيذهب به يميناً وشمالاً ويلقيه في المهالك . وهذا كقوله تعالى في سورة الحج {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} ، وقوله (ذَلِكَ ) أي ذلك العذاب لهم (بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ) فردّ الله عليهم وذمّ فعلهم فقال (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) في جميع الكتب السماوية السالفة فكيف يحلّونه بأهوائهم ويجعلونه مثل البيع (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ ) أي فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا (فَانتَهَىَ ) عن أخذ الربا وتاب (فَلَهُ مَا سَلَفَ ) معناه فله ما أخذ وأكل من الربا قبل النهي (وَأَمْرُهُ ) في الرزق والعيش (إِلَى اللّهِ ) فإنّ الله يرزقه إذا اتّعظ وترك الربا واكتسب من الحلال وترك الحرام (وَمَنْ عَادَ ) إلى أكل الربا بعد التحريم (فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) يوم القيامة .

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم