كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 35) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

35 - (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) البستان تسمّى بلسان العرب جنّة ، والشاهد على ذلك قول شاعرهم:

كانتْ لَهمْ جنّةٌ إذْ ذاكَ ظاهرةٌ ..... فيها الفراديسُ والفُومانُ وَالبَصَلُ
فإنّ الله تعالى خلق آدم وحوّاء على جبل من جبال الأرض ، وكان فيه كثير من الأشجار والفواكه وفيه ينابيع المياه ويكتنف أصناف الطيور والأنعام ، ولذلك قال الله تعالى (وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا) أي وكلا من ثمار الجنة وطيورها وأنعامها واشربوا من ألبانِها ، ومن ذلك قول امرئ القيس :
بَيْنَمَا المَرْءُ تَراهُ نَاعِمــاً ..... يَأْمَنُ الأَحْدَاثَ في عَيْشٍ رَغَدْ
(وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ) لأنّ فيها شوكاً يمزّق ثيابَهما ويخدش أيديهما عند تناولِهما من ثمرتِها ولذلك منعهما من التقرّب إليها6 وهي شجرة العلّيق "علگة" (فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ) لأنفسكما بتناولكما من ثمرتِها .
وذلك الجبل هو قطعة من كوكب كان مسكوناً في قديم الزمان وكان فيه من البشر والحيوان والنبات وغير ذلك من الأحياء ، فلمّا قامت قيامته تمزّق فصارت نيازك سقط بعضها على أرضنا فصارت جبالاً ، ولَمّا سقطت عليها الأمطار وكان في تلك الجبال بذور الأشجار والنباتات أخذت تنبت وتنمو وأصبحت بساتين فوق تلك الجبال ، قال الله تعالى في سورة الرعد (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ) ، والمعنى (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ) ليست من الأرض7سقطت عليها فصارت جبال (مُّتَجَاوِرَاتٌ) جاور بعضها بعضاً (وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ) أي بساتين من أعناب ، يعني من فواكه . ولَمّا نمت النباتات والأشجار على تلك الجبال خلق الله تعالى عليها طيوراً وأنعاماً وخلق آدم وحوّاء فوق جبل من تلك الجبال .

36 - (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا) أي فأذهبهما الشيطان عن تلك الجنة وأبعدهما بوسوسته وإغوائه (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) من النعم لأنّهما أكلا من تلك الشجرة وهو توت العلّيق (وَ) عصيا ربّهما (قُلْنَا اهْبِطُواْ ) من الجبل إلى الأرض المستوية ، يعني آدم وحوّاء والأنعام والطيور التي كانت في تلك الجنة كلّهم نزلوا إلى الأرض (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) يعني جعلنا بينكم عداوة جزاءً لِعصيانكم أمر ربّكم ، فصار إبليس عدوّاً لآدم وأولاده ، وصار آدم عدوّاً لإبليس ، فصار أولاد آدم بعضهم يعادي بعضاً (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي راحة وسكون (وَمَتَاعٌ) من المأكل والملبس والأثاث وكلّ شيء يتمتّع به الإنسان (إِلَى حِينٍ) أي إلى يوم القيامة ، لأنّ الأرض تتمزّق في ذلك اليوم فتخرج النفوس منها وتنتشر في الفضاء .

القصّة : لَمّا أكل آدم من تلك الشجرة أخذت الينابيع تجفّ لأنّها شقّت طريقاً من أسفل الجبل وصارت تجري على الأرض ، ولَمّا جفّت المياه فوق الجبل يبست الأشجار ونفدت الثمار فلم يبقَ في تلك البستان ما يعيشون عليه فشكَوا إلى ربّهم فأوحى إليهم أن اهبطوا إلى الأرض المستوية ، فقالا ربّنا نخاف أن لا نجد عليها ما نأكل ونشرب ، فأخذ سبحانه يحثّهم على النزول فقال تجدون فيها ما تأكلون وتشربون ولكم في الأرض مستقرٌّ ومتاعٌ إلى حين . وأراد سبحانه أن يفرّقهم في الأرض كي ينتشروا فيها ويتكاثروا .

37 - (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ) نزل بِها جبرائيل فعلّمه إيّاها فدعا بِها آدم وهي : "اللهمّ لا إلاه إلاّ أنت سبحانك وبحمدك ربِّ إنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي إنّك خير الغافرين ، اللهمّ لا إلاه إلاّ أنت سبحانك وبحمدك ربِّ إنّي ظلمتُ نفسي فارحمني إنّك أنت أرحم الراحمين ، اللهمّ لا إلاه إلاّ أنت سبحانك وبحمدك ربِّ إنّي ظلمتُ نفسي فتبْ عليّ إنّك أنت التوّاب الرحيم ." (فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ) لِمن عمل سيّئة بجهالة ثمّ تاب في مدّة قريبة (الرَّحِيمُ ) بعباده التائبين النادمين .

آراء المفسّرين
في الجنة : صفحة (85 ) قال الطبرسي : "اختلف في الجنة التي أسكن فيها آدم فقال أبو هاشم هي جنة من جنان السماء غير جنة الخلد لأن جنة الخلد أكُلها دائم ولا تكليف فيها وقال أبو مسلم هي جنة من جنان الدنيا في الأرض" "{ ولا تقربا هذه الشجرة } أي لا تأكلا منها فمعناه لا تقرباها بالأكل ويدل عليه أن المخالفة وقعت بالأكل بلا خلاف لا بالدنو منها." "واختلف في الشجرة التي نهي عنها آدم فقيل هي السنبلة عن ابن عباس وقيل هي الكرمة عن ابن مسعود والسدّي وقيل هي التينة عن ابن جرير وقيل هي شجرة الكافور. وقيل هي شجرة العلم علم الخير والشر عن الكلبي وقيل هي شجرة الخلد التي كانت تأكل منها الملائكة عن ابن جذعان." وقيل هي شجرة التفّاح .
أقول : إنّ نبتة الحنطة لا تسمّى شجرة ، وأمّا التين والعنب والتفّاح فهي من الفواكه الطيّبة المباح أكلها ، وأمّا علم الخير والشرّ فليس له أشجار ، وأمّا الكافور فلا يُؤكل .

40 - ثمّ أخذ سبحانه في خطاب بني إسرائيل فقال : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) في الماضي ، أراد بذلك النعم التي أنعم بِها على أسلافهم من كثرة الأنبياء فيهم والكتب ونجاتِهم من فرعون ومن الغرق وإنزال المنّ والسلوى عليهم وكون الملك فيهم في زمن داود وسليمان وغير ذلك (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي) أي بما عاهدتموني عليه من الإيمان والطاعة بي وأن لا تشركوا بي شيئاً وكان العهد على يد موسى نبيّكم (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) أي بِما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أي خافوني في نقض العهد .8

وإليك بعض العهود التي عاهدوا الله عليها ، فقد جاء في التثنية من التوراة في الإصحاح الخامس قال :
"وَدَعَا مُوسَى جَمِيعَ إِسْرَائِيل وَقَال لهُمْ: اَلرَّبُّ إِلهُنَا قَطَعَ مَعَنَا عَهْداً فِي حُورِيبَ . فَقَال: لا يَكُنْ لكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي . لا تَصْنَعْ لكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتاً صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ وَمَا فِي المَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ . لا تَسْجُدْ لهُنَّ وَلا تَعْبُدْهُنَّ لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلهٌ غَيُورٌ "
هذه بعض العهود التي أخذها عليهم ولكنّهم خانوا العهود ونقضوا المواثيق وعبدوا البعليم و عشتاروث وغير ذلك .

42 - (وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ) أي لا تخلطوا الحقّ بالباطل ، والحقّ يريد به التوراة ، والباطل كلامهم ، ويريد بذلك ما حرّفوه وبدّلوه من التوراة (وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ ) أي تكتموا صفة محمّد التي جاء ذكرها في التوراة والإنجيل (وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنّ وراءكم حساب وعقاب ، والخطاب موجّه إلى علمائهم .

-----------------------------------

6 :والمؤلّف أوّل من فرّق بين تحريم الاقتراب منها وبين الأكل منها كما زعم أكثر المفسّرين ، ولو كانت الشجرة محرّماً أكلها لَضلّ ذلك حتّى اليوم ، فالبُرّ والتفّاح من أعمدة الحياة وضرورات الغذاء ، والتفّاح من أهمّ الفواكه وأكثرها احتواءً على الحديد ، فلا يعقل تحريمهما ، لكن شجرة العلّيق مِمّا يحذر الاقتراب منها حتّى هذا الزمن – المراجع .

7 :قال المراجع : أثبت علم الجيولوجيا أنّ جبال همالايا ليست من أرضنا ، بل أنّها رست عليها بعد أن كانت تدور حول الأرض .

8 :وقد أكثر موسى (ع ) من تذكير قومه بلزوم قصر عبادتهم بالله تعالى وأكّد ذلك غير مرّة ، ومنها الفصل 30 من التثنية حتّى النفَس الأخير وهو يردّد " وقد أشهدتُ عليكم اليوم السماء والأرض " 15-20 _ المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم