كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 61) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

61 - (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ) وهو المنّ ، وأمّا السلوى لم تنزل عليهم على الدوام بل في بعض الأحيان (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا ) أي الخضروات (وَقِثَّآئِهَا ) وهو خيار تعروزي (وَفُومِهَا ) أي الثوم ، وكان اسمه فوم في قديم الزمان ولكن عند اختلاف الألسن واللغة الأجنبية صاروا يسمّونه بالثوم ، والشاهد على ذلك قول الشاعر وهو يصف بستاناً ويصف زرعها :

كانتْ لَهمْ جنّةٌ إذْ ذاكَ ظاهرةٌ ..... فيها الفراديسُ والفُومانُ وَالبَصَلُ
وإنّما قال الشاعر فومان لأنّ الثوم نوعان وهما الثوم العادي وثوم العجم ويسمّى عند العرب "سير" ، (وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ ) الله تعالى جواباً لسؤالِهم (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) يعني أتستبدلون الخضروات والثوم والبصل بالمنّ والسلوى ؟ (اهْبِطُواْ مِصْراً ) يعني ادخلوا مصراً من الأمصار 14 (فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) يعني تجدون فيها ما أردتم (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ) وذلك بطردهم من البلاد وتيههم أربعين سنة في القفر (وَالْمَسْكَنَةُ ) يعني الفقر (وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ) أي ورجعوا بعد عزّهم بغضب من الله ، وذلك الطاعون الذي أصابَهم فأهلك كثيراً منهم في البرّية والأفاعي التي كانت تلدغهم ، فإنّ الله تعالى أرسل عليهم الأفاعي فأخذت تلدغهم وذلك في طريق بحر سوف من جبل هور إلى أرض أدوم فمات كثير منهم من لدغ الأفاعي (ذَلِكَ ) إشارة إلى الذلّ والمسكنة والطاعون والأفاعي (بِمَا عَصَواْ ) أمر ربّهم ، أي بسبب عصيانِهم ومخالفتهم أمر ربّهم (وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) على ضعفائهم .

62 - ثمّ بيّن سبحانه بأنّ من آمن بالله من جميع الأمم وصدّق رسله وسار على سننهم فلم يغيّر شرايع الله وعمل صالحاً فله أجره عند ربّه فقال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ) بمحمّد ، يعني المسلمين (وَالَّذِينَ هَادُواْ ) يعني اليهود (وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ) الذين ماتوا قبل مجيء محمّد ( مَنْ آمَنَ ) منهم (بِاللَّهِ) إيماناً خالصاً وصدّق رسله (وَالْيَوْمِ الآخِرِ) يعني صدّق بيوم القيامة (وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ) في الآخرة (وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من الشياطين في عالم البرزخ (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) على فراق الدنيا بعد موتِهم .

63 - ثمّ عاد سبحانه إلى خطاب بني إسرائيل فقال (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ) يعني أخذنا عليكم الميثاق في زمن موسى بأن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تجترئوا على المعاصي ، فنقضتم المواثيق ونكثتم العهود وعصيتم أمر ربّكم وعبدتم العجل في زمن موسى والبعل بعد وفاته (وَ) اذكروا أيضاً إذ أخذنا عليكم الميثاق لَمّا (رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) وهو الجبل الذي كان موسى يناجي فوقه ، وذلك لَمّا نزل بالألواح إليهم في المرّة الثانية قالوا ومن يصدّق أنّها من عند الله ، وكانوا تحت الجبل فاهتزّ الجبل وانشقّ ومالت الشقّة فوقهم وكادت تسقط عليهم فتقتلهم لولا أنّهم صاحوا آمَنّا وصدّقنا ، فاستقرّت الشقّة بِمكانِها ولم تسقط عليهم ، فأخذ موسى العهد عليهم بأن لا يعودوا إلى تكذيبه ، وقال لَهم : (خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم ) من الألواح (بِقُوَّةٍ) يعني بقوّة عزم ويقين ، واعملوا بِما فيها من الأحكام ولا تكونوا شاكّين متردّدِين (وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ ) يعني واتّعظوا بِما في الكتاب أي التوراة ، فالذِكر معناه الموعظة (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) عقابه إن اتّعظتم وعملتم بِما في التوراة . ونظير هذه الآية في سورة الأعراف قوله تعالى {وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

64 - (ثُمَّ تَوَلَّيْتُم) أي رجعتم عن طاعة الله (مِّن بَعْدِ ذَلِكَ) الميثاق (فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) بأن بعث فيكم أنبياء وهداة (لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ) في الآخرة .

65 - (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ) يا بني إسرائيل قصة يهوذا والصوريّين الساكنين في يهوذا (الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ ) بأن اشتغلوا وباعوا واشترَوا وصادوا السمك ، وكان محرّماً عليهم ذلك في السبت (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) أي مطرودين كالقردة .

فإنّ الله تعالى أوحى إلى نحميا بن حكليا أن يؤنّب رؤساء يهوذا على أعمالِهم وأن يغلق أبواب المدينة ليلة السبت لكيلا يأتي أحد من هؤلاء ليبيع ويشتري في السبت ، فأمر نحميا غلمانه بأن يغلقوا أبواب المدينة ولا يفتحوها إلاّ بعد السبت ، فبات هؤلاء خارج المدينة أذلاّء مطرودين بلا غطاء ولا وطاء ، وصعد نحميا فوق السور وأنّبهم على أعمالهم وأنّب رؤساء يهوذا على أعمالِهم فكان كلٌّ منهم يقول رأيت بني فلان يصيدون فصدنا نحن ورأينا بني فلان يبيعون فبعنا نحن ، فقال لَهم نحميا : إنّ القردة تقلّد الإنسان في أعماله فأنتم أصبحتم كالقردة تقلّدون عاملي الشرّ فلماذا لا تنهون عن عمل الشرّ بل تعملون كعملهم ؟

66 - (فَجَعَلْنَاهَا ) أي تلك الحادثة يعني طردهم من المدينة وغلق الأبواب عليهم ومبيتهم خارج المدينة (نَكَالاً ) أي تأديباً (لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ) من القرى ، أي لِمن كان حولَها من القرى (وَمَا خَلْفَهَا ) أي وللقرى البعيدة أيضاً لأنّهم سمعوا بقصّتهم فتأدّبوا وتركوا البيع والشراء في السبت (وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) فاتّعظوا بتلك الحادثة وحمدوا الله على هدايته لَهم حيث أنّهم لم يعتدوا في السبت على بيع ولا شراء ولا صيد . والقصّة مذكورة في الإصحاح الثالث عشر من نحميا في مجموعة التوراة .

67 - (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَة ًقَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) أي أتجعلنا مكان هزء فتهزأ بِنا ؟ (قَالَ ) موسى (أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) الذين يهزؤون .

وإليك القصّة : قُتِل رجل من بني إسرائيل لأجل ماله ولم يُعرف قاتله ، فجاء أهله إلى موسى وأخبروه ، فسأل موسى ربّه أن يعلمه بالقاتل ، فقال الله تعالى إذبحوا بقرة واضربوا المقتول ببعض لحمها أو بعضو من أعضائها فإنّه يحيى المقتول ثمّ اسألوه عن قاتله فيخبركم . فرجع النبي موسى إلى قومه وأخبرهم بذلك . ولَمّا كان عندهم إحياء الميّت من العجب أخذوا يسألون عن البقرة وأيّ البقر يذبحون ، فقال بعضهم نذبح بقرة مسنّة وقال آخرون بل نذبح بكراً ، ثمّ أجمعوا أن يسألوا موسى بذلك .

-----------------------------------

14 :أي إحدى المدن ، وليس قطر مصر كما توهّم بعض المفسّرين وكتّاب هذا العصر في أحاديثهم المتيسّرة ومجلاّتِهم . – المراجع

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم