كتاب المتشابه من القرآن


كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 81) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

81 - (بَلَى ) تمسّهم النار ويعذّبون فيها كلّ على مقدار خطيئته ، وليس الأمر على ما زعموا أنّهم يتعذّبون سبعة أيام (مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ) يعني ذنباً (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ ) يعني واظب عليها ولم يتب إلى الله منها (فَأُوْلَـئِكَ ) المواظبون على الخطايا (أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) أي باقون دائمون ، فالسيّئة هي الصغائر من الذنوب وليست من الكبائر ولا الإشراك ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة النساء {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} ، يعني إن تجتنبوا الكبائر من الذنوب نغفر لكم الصغائر .

فقوله تعالى (مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ) يعني من كسب ذنباً من العلماء ، لأنّ الآية خاصة بعلماء اليهود ، وتشمل علماء النصارى والإسلام أيضاً ، والمعنى إنّ العلماء إذا أذنبوا ذنباً وإن كان صغيراً فإنّهم يستحقّون عليه النار لأنّ حكم العالم غير حكم الجاهل ، فالذنب من العالم أعظم من الإشراك الذي يكون من الجاهل ؛ لأنّ الجاهل يلقي نفسه في النار فقط ، والعالم يلقي نفسه ومن يقتدي به .18
والذنب العظيم الذي يكون من العالم ليس التهاون والتماهل في الطاعات ولا التعرّض إلى بعض المحرّمات التي تخصّ نفسه ، ولكنّ الذنب العظيم الذي يصدر منه سنّة يسنّها فيعمل بِها قومه ومن يقتدي به ، أو يفتي فتوى أو حكماً لا يرضي الله ، أو يرى قومه وأهل مذهبه قد ساروا على غير طريق الحقّ فلا يرشدهم إلى الصواب بل يطابقهم أو يسكت عن الحقّ لئلاّ يمقتوه ، أو لئلاّ يمنعوا عنه الحقوق فلا يعطوه بعد ذلك من الدراهم كالزكاة أو الخمس أو حقّ الإمام أو مردّ مظالم أو غير ذلك ، فإذا سكت عن الحقّ لأجل الدراهم أو المناصب أو غير ذلك فإنه مسؤول عند الله يوم القيامة ، فحينئذٍ يقول الله تعالى للملائكة [كما في سورة الصافات] : {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} ، ويقول الله تعالى لذلك العالم : يا هذا إنّي أعطيتك علماً وحكماً لترشد عبادي إلى طريق الحقّ وقد وجدتَ قومك ضالّين عن الطريق فلماذا سكتّ عن الحق ولم ترشدهم ، أشتريتَ الدنيا بالآخرة وأبدلت رضا المخلوق بسخط الخالق ؟ ثمّ يأمر به إلى جهنّم ، وذلك قوله تعالى (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .

84 - (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ) يعني ميثاق أسلافكم الذين كانوا في زمن موسى وقلنا لهم (لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ) يعني لا يقتل بعضكم بعضاً (وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ) أي ولا تحاربوا قوماً منكم فتهزموهم وتخرجوهم من ديارهم (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ) بالميثاق وقبلتم به (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ) على أنفسكم بالميثاق وقبوله .

ونظيرها قوله تعالى في سورة الأعراف {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا}.

85 - ثمّ بيّن سبحانه أنّهم نكثوا العهد وخانوا الميثاق وقتلوا النفوس وسفكوا الدماء وأخرجوا قومهم من ديارهم فقال (ثُمَّ أَنتُمْ ) أبناء (هَـؤُلاء ) الذين أخذنا عليهم الميثاق (تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ) يعني يقتل بعضكم بعضاً (وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ ) يعني وتخرجون بعض قومكم من ديارهم تطردونهم وتغصبونَها (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) أي متعاونين على إخراجهم بالظلم والعدوان (وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ ) يعني وإذا وجدتم أسيراً من قومكم في أيدي أعدائكم تفكّون أسره بالفدية (وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ) من ديارهم ، فلماذا تخرجونَهم من ديارهم ثمّ تفادونَهم ؟ (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) يعني تصدّقون بعض أحكام التوراة وتعملون بِها وتنكرون الأحكام الأخرى ولا تعملون بِها ، (فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، والخزي الذي أصابهم هي الجزية التي وضعها النبيّ عليهم ، وإخراج بني النضير من ديارهم (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) أيها اليهود من الأعمال السيّئة .

88 - (وَقَالُواْ ) يعني اليهود (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أي عليها غلاف لا نفهم ما تقول يا محمّد ، وذلك عناداً منهم وتكبّراً (بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ ) والمعنى كذبوا في قولِهم قلوبنا غلف ، بل يفهمون ولكن عناداً منهم وتكبّراً فلا ينقادون للحقّ فلهم اللعنة جزاءً لكفرهم ولهم سوء الدار (فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ) يعني قليل منهم يؤمنون بك يا محمّد ويصدّقونك .

89 - (وَلَمَّا جَاءهُمْ ) أي اليهود الذين كانوا في زمن محمّد (كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ ) يعني القرآن (مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ) من أمر التوحيد في الكتب السماوية وأنّ العبادة لا تجوز لغير الله (وَكَانُواْ) أي اليهود (مِن قَبْلُ ) مبعث النبي ونزول القرآن (يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ ) أي يخبرون مشركي العرب بمجيء نبيّ ويعلمونهم صفاته ، ولفظة "يستفتحون" معناها ينبئون ويبشّرون بحدوث شيء فيه خير (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ ) يعني فلمّا جاءهم محمّد الذي عرفوا وصفه واستفتحوا بمجيئه على المشركين (كَفَرُواْ بِهِ ) أي جحدوه وأنكروه ولم يصدّقوه (فَلَعْنَةُ اللَّه ) أي غضبه وعقابه (عَلَى الْكَافِرِينَ ) به .19

90 - (بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ ) أي بئس المال الذي أبدلوه بأنفسهم وآثروا دنياه على آخرتِهم ، لأنّهم كفروا بمحمّد طلباً للمال وحباً للرياسة 20 (أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ ) يعني كان خسرانهم بسبب أنّهم كفروا بما أنزل الله ، وهو القرآن (بَغْياً ) أي حسداً منهم وعدواناً (أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ) يعني كان حسدهم لمحمّد وعداوتُهم له لكونه عربياً ولم يكن منهم ، ولكنّ الله يؤتي الحكمة والنبوّة لِمن يشاء من عباده فلا يلتفت إلى عشيرة ولا إلى قبيلة بل يختار من الناس من كان حسن السريرة كريم الأخلاق طيّب النفس يتمكّن أن يقوم بهذا الواجب . (فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ) أي فرجعوا إلينا مستحقين غضباً على غضب ، يعني أعددنا لهم ضعفين من العذاب ، فالغضب الأوّل لكفرهم بعيسى والثاني لكفرهم بمحمّد (وَلِلْكَافِرِينَ ) أمثالهم (عَذَابٌ مُّهِينٌ ) يوم القيامة .

-----------------------------------

18 :يريد بذلك البدعة ، وما أكثر البدع التي زجّها الشعوبيّون في الإسلام بقصد أو بدون قصد . - المراجع

19 :وكذا سيكون حال بعض المعاندين إذ يجحدون المهدي عند ظهوره رغم معرفتهم بانطباق السمات والعلامات الموجودة في كتبهم مع أنّهم أوّل المستفتحين به على من سواهم . – المراجع

20 :وكذا سيكون حال جاحدي المهدي ، إذ يقاومونه لحبّهم المال وطلبهم في الترأس ، وإن كانت دعوته إسلامية تدعوهم إلى تنفيذ أحكام القرآن . – المراجع

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم