كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 96) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

96 - (وَلَتَجِدَنَّهُمْ ) أي اليهود (أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ) يعني أحرص الذين هم أهل كتاب مثلهم (وَ ) أحرص (مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ ) كالمجوس وعبدة الأوثان . ثمّ بيّن سبحانه زيادة حرصهم على البقاء في دار الدنيا فقال (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) يعني لو يعيش هذه المدّة (وَمَا هُوَ ) يعني عمره (بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ ) يعني وما عمره بمخلّصه من عذاب جهنّم (أَن يُعَمَّرَ ) أي مهما عمّر ، فلفظة زحزح يعني خروجه من جهنّم ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}.

والمعنى : ولو أنّ أحدهم بقي في الدنيا ألف سنة يفكّر في حيلة تنجيه من عذاب الله فلا يتوصّل إلى ذلك إلاّ بالإيمان والطاعة (وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) فيعاقبهم على أعمالهم .

97 - إنّ بعض اليهود سألوا النبيّ فقالوا من يأتيك بالوحي ، قال جبرائيل يأتيني به ، فقال أحد اليهود لرفقائه إنّي عاديت جبرائيل ولا أودّه بعد اليوم فلماذا ينزل بالوحي على رجل من العرب ولا ينزله على رجل منّا ؟ فنزلت هذه الآية (قُلْ ) يا محمّد لهؤلاء اليهود (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ ) يعني إنّ جبريل نزل بالوحي على قلبك يا محمّد بإذن الله لا باختياره ، فما ذنب جبريل معهم فيعادونه ؟ (مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) يعني جبرائيل مصدّقاً للكتاب الذي بين يدي محمّد (وَهُدًى ) لمن يهتدي به ، يعني القرآن (وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) بدخول الجنة .

100 - (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ ) الله (عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ) يعني من اليهود ، ويريد بذلك العهود التي أخذها الأنبياء على قومهم ، والمعنى : وكلّما عاهدوا أنبياءهم عهداً بأن لا يشركوا ولا يقتلوا ولا يفسقوا نبذ العهد فريق من اليهود الماضين ، والألف من قوله (أَوَكُلَّمَا ) للاستفهام ، ومعناه أيفعل اليهود الحاضرون كما فعل الماضون ؟ وهنا حذف في الكلام ، والتقدير : وهم غير مؤمنين ، ولذلك قال بعدها (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) يعني أكثرهم نبذوا العهود وهم مع ذلك غير مؤمنين .

ومن جملة العهود التي نبذها اليهود ما كان بين رسول الله وبين بني قريظة والنضير : عاهدوا أن لا يعينوا عليه أحداً بالحرب فنقضوا ذلك العهد وأعانوا عليه قريشاً يوم الخندق .

101 - (وَلَمَّا جَاءهُمْ ) أي اليهود (رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ ) يعني محمّداً (مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ) من أمر التوحيد ونبذ الأوثان والأصنام [مثلما أمر الله] في الكتب السماوية (نَبَذَ ) أي ترك (فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ) يعني من علماء اليهود (كِتَابَ اللّهِ ) يعني التوراة (وَرَاء ظُهُورِهِمْ ) يعني تركوها ونبذوها ولم ينظروا فيها ويتصفّحوها ليطابقوا صفة محمّد مع صفة الأنبياء ، ودعواه إلى التوحيد كما دعَوا ، وأعماله كما عملوا ، ونبذَه الأصنام وتكسيرها كما فعلوا في الماضي ، وبذلك يعلمون أنّه رسول من ربّ العالمين حيث طابقت أعماله أعمال الأنبياء ودعواه دعوة الرسل وذلك إنْ خفي عليهم اسمه في التوراة وضاعت صفاته في الرقوق التي مزّقها نبوخذ نصّر ، ولكنّهم نبذوا التوراة ولم يلتفتوا إلى الصفات وتركوا الأدلّة والبيّنات وقالوا إنّما هو ساحر اجتمع عليه أهل الفلاة فتجاهلوا أمره وأنكروا صدقه ورفضوا قوله حسداً منهم لِما جاء به من العلم وتكبّراً لِما دعا إليه من الدين (كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) قصص الأنبياء الماضية وكتبهم الباقية ، فيفهمون أنّه ليس ساحراً بل هو رسول من ربّ العالمين .

102 - (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ ) يعني أنّ علماء اليهود تتبّعوا قول الشياطين وقالوا كقولهم (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) يعني قالت اليهود في محمّد كما قالت الشياطين في ملك سليمان . فإنّ الشياطين قالوا لم يَنَل سليمان هذا الملك إلاّ بسحره ، وكذلك اليهود قالوا إنّ محمّداً لم ينل هذه المنزلة ولم يجتمع إليه الناس إلاّ بسحره ، وذلك لشدّة حسدهم وبغضهم إيّاه .

ثمّ بيّن سبحانه أنّ سليمان لم يعمل بالسحر ولم يكتم الحقّ كما كتمه هؤلاء اليهود فقال (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ) فكلمة كفر معناها تغطية الشيء وكتمانه ، والمعنى : ما كتم سليمان الحقّ وما عمل بالسحر ، (وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ ) أي كتموا الحقّ وعملوا بالسحر ، وقد ضرب الله مثلاً في هذه الآية فجعل محمّداً مقام سليمان ، وهؤلاء اليهود مقام الشياطين ، والمعنى : لقد قلتم أيّها اليهود في أمر محمّد كما قالت الشياطين في أمر سليمان ولكنّ الأمر عكس ذلك ، فإنّ محمّداً ليس ساحراً ولا كافراً بل أنتم كافرون حيث كتمتم الحقّ في أمر نبوّته وأخفيتم على الناس حقّه مع علمكم بصحّة قوله وإيضاح تبيانه . ثمّ بيّن سبحانه بأنّ السحر من أعمال اليهود وعاداتهم لا من أعمال المسلمين ونبيّهم فقال (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) فهم شياطين الإنس يعلّمون الناس السحر (وَ ) يعلّمون الناس أيضاً (مَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ) من التفرقة ، والملكان هما من ملاّكي بني إسرائيل أي من رؤسائهم وكانا من جملة الأسرى الذين أخذهم نبوخذنصّر إلى أرض بابل في العراق ، وهما (هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) وكانا يعلّمان الناس السحر ويأخذان أجرة عليه .
ثمّ بيّن سبحانه بأنّ الرجلين وإن كانا ساحرَين لا يغشّان الناس ولا يكتمان الحقّ كهؤلاء اليهود الذين كتموا أمر محمّد بعد أن اتّضح لهم أنّه نبي ، فقال تعالى (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ) من الناس (حَتَّى يَقُولاَ ) له (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ) أي محنة واختبار فلا تفتَتِن بنا (فَلاَ تَكْفُرْ ) أي فلا تعمل بالسحر فتكتم الحقّ (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ) أي من الرجلين (مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) أي بين الرجل وزوجته (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ ) من الناس (إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ) أي إلاّ بإرادته ، والمعنى : وما هؤلاء المتعلّمون من الملكين بضارّين أحداً من الناس إلاّ بإرادة الله ، لأنّ الله تعالى يصرف ذلك الضرر عمّن يشاء ، ويخلّي بينه وبين من يشاء (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ) أي ما يضرّ بهؤلاء المتعلّمين لأنّ المتعلّمين يعملون ذلك لقومهم ومعلوم ما في ذلك من الضرر ، لأنّهم يفرّقون بين الزوجين (وَلَقَدْ عَلِمُواْ ) أي ولقد علم الناس (لَمَنِ اشْتَرَاهُ ) أي لمن اشترى ذلك السحر من الملكين وتعلّمه منهما (مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ) وهنا حذف في الكلام تدلّ عليه اللام من قوله (لَمَنِ ) والتقدير : ولقد علموا لمن اشتراه عذاباً وما له في الآخرة من خلاق ، أي ما له من نصيب في الجنة ، لأنّ الساحرين كانا يشترطان مع الناس فيقولان : من تعلّم منّا هذا العلم وعمل به فله عذاب يوم القيامة وما له في الآخرة من نصيب .
فكان بعض الناس يقبل بهذا الشرط ويتعلّم منهما ، وبعضهم لا يقبل بذلك . ثمّ عاد سبحانه إلى ذمّ اليهود وعلمائهم فقال (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ ) أي بئس الشيء الذي باعوا به أنفسهم ، لأنّهم ألقوا بأنفسهم في جهنّم لأجل المال والرياسة (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) العاقبة .
آراء المفسّرين
في قوله تعالى {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } جاء في مجمع البيان ص 174 قال : "{ واتبعوا ما تتلوا} معناه تقرأ عن عطاء وقتادة, وقيل معناه تكذب عن أبي مسلم يقال تلا عليه إذا كذب ، وقولـه: { على ملك سليمان } قيل معناه في ملك سليمان كقول أبي النجم: (فهي على الأفق كعين الأحولِ) أي في الأفق, ثم إن هذا يحتمل معنيين: أحدهما: في عهد ملك سليمان , وقال أبو مسلم معناه ما كانت تكذب الشياطين على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين ، { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } بيَّن بهذا أن ما كانت تتلوه الشياطين وتَأَثُره وترويه كان كفراً إذ برأَ سليمان (ع) منه ولم يبين سبحانه بقولـه {ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} أنها أي شيء كانت تتلو الشياطين ثم لم يبيّن بقولـه سبحانه {وما كفر سليمان} أن ذلك الكفر أيّ نوع من أنواع الكفر حتى قال: { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } فبّين سبحانه إن ذلك الكفر كان من نوع السحر فإن اليهود أضافوا إلى سليمان السحر وزعموا أن ملكه كان به فبرأَه الله منه وهو قول ابن عباس وابن جبير وقتادة.
واختلف في السبب الذي لأجله أضافت اليهود السحر إلى سليمان (ع) فقيل إن سليمان كان قد جمع كتب السحرة ووضعها في خزانته وقيل كتمها تحت كرسيه لئلا يطلع عليها الناس فلما مات سليمان استخرجت السحرة تلك الكتب وقالوا إنما تم ملك سليمان بالسحر وبه سخر الإنس والجن والطير ، عن السندي. وفي قولـه تعالى { يعلمون الناس السحر} قولان: أحدهما: أنهم ألقوا السحر إليهم فتعلموه والثاني: إنهم دَلّوهم على استخراجه من تحت الكرسي فتعلموه ..الخ ".
إختصرنا آراء المفسّرين لئلاّ يطول الكلام ، فانظر كيف اختلفت آراء المفسّرين في ذلك وتناقضت أقوالهم ، لأنّهم لم يهتدوا إلى الحقيقة .

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم