كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة القصص من الآية( 45) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

45 - (وَلَـٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا) بعد موسى ، أي خلقنا قرناً بعد قرنٍ (فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) أي فطال على بني إسرائيل العهد بموسى فنسوا عهده وبدّلوا بعض أحكامه وغيّروا شريعته (وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا) أي مقيماً (فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) كي (تَتْلُو عَلَيْهِمْ) أي على أهل مكة (آيَاتِنَا) هذه، يعني تقرأ عليهم قصة موسى مع بِنتَي شعيب حين سقى لهما الغنم ثم تزوّج إحداهما (وَلَـٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) فأرسلناك إلى قومك كما أرسلنا موسى إلى فرعون ، وأعطيناك القرآن معجزة كما أعطينا موسى الألواح . ولكنّ الألواح تكسّرت وذهبت ، والقرآن باقٍ إلى آخر الدهر لا يذهب ولا يزول لأنه كلام الله . والدليل على ذلك إيضاح القرآن بقصص الأنبياء بما لم توضّح بها توراة عزرا ، وجاء القرآن بما هو صحيح بينما توراة عزرا وقعت فيها أغلاط كثيرة .

46 - (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ) ويسمّى بالعبري جبل حوريب (إِذْ نَادَيْنَا) موسى فكلّمناه وبعثناه إلى فرعون . المعنى لم تكن حاضراً هناك لتسمع تلك الحوادث أو تراها فتخبر بها قومك ولكن نحن أخبرناك بما جرى من قصص الأنبياء لتكون لك معجزة علميّة ، وذلك قوله تعالى (وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ) إذ قصّ عليك أخبارهم بالوحي (لِتُنذِرَ) بها (قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) وهم أهل الحجاز لم يأتهم رسول منذ بنى إبراهيم البيت مع إسماعيل إلى زمن محمد (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي يتّعظون بتلك الأخبار .

47 - (وَلَوْلَا) أنهم يحتجّون علينا (أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) من الظلم والكفر والنفاق لَمَا أرسلنا لهم رسولاً، ولكنهم يحتجّون علينا (فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا) قبل المصيبة وقبل العذاب (فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) برسالة رسولك ، فلذلك أرسلنا لهم محمداً لئلّا تكون لهم حجّة بعد الرسل . ونظيرها في المعنى في "سورة ط ه" قوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} .

48 - (فَلَمَّا جَاءَهُمُ) قول (الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا) على لسان محمد ، والحق هو القرآن كلام الله ، والباطل كلام الشياطين ،

والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة يونس:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ}. فالحق كلام الله ، وجاء في سورة الرعد قوله تعالى{وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ} يعني القرآن لأنه كلام الله .
(قَالُوا) أي قال مشركو العرب (لَوْلَا أُوتِيَ) محمد من المعاجز (مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ) من المعاجز فإنّ القرآن وحده لا يكفي دلالة على دعوته . فرّد الله عليهم قولهم فقال تعالى (أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ) يعني ألم يكفروا بالتوراة وكذلك كفروا بالقرآن إذ (قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا) أي قالوا إنّ التوراة والقرآن سِحران أتى بهما موسى ومحمد تظاهرا بين الناس وعلا شأنهما (وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ) أي بالتوراة والقرآن كافرون . والمعنى : أنّ المشركين يطلبون منّا معجزة مثل عصا موسى فهل أنّهم آمنوا بموسى وكتابه إذ جاء بالعصا ، كلا لم يؤمنوا به ، فلو أنّهم آمنوا بموسى وتوراته لتركوا عبادة الأصنام لأنّ التوراة تنهَى عن عبادة الأصنام وتدعو إلى عبادة الله وحده وكذلك القرآن يدعو إلى عبادة الله وحده ، فما طلبهم للمعجزات إلا ردّاً عليك وجدالاً لك .

52 - ثمّ أخذ سبحانه يصف أهل الكتاب مَن آمَن منهم بالقرآن فقال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) يريد بهم الذين أسلموا من اليهود والنصارى ، والكتاب يريد به التوراة (مِن قَبْلِهِ) أي من قبل القرآن (هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ) أي بالقرآن يصدّقون .

53 - (وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ) القرآن (قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) أي كنّا مستسلمين لأمر ربّنا منقادين بشأن التوحيد لا نشرك بعبادة ربّنا ، ولما سمعنا القرآن آمنا به لأنه يدعو إلى التوحيد كما تدعو التوراة إلى التوحيد ونبذ الأصنام .

71 - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ) ؟

72 - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ؟ سبق تفسير هاتين الآيتين في كتابي الكون والقرآن .

75 - (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) أي أخذنا من كل أمّة شهيداً يشهد على الكافرين والمشركين من قومه والمكذّبين برسالته ، والشهيد هو الرسول79ونظيرها في سورة النحل قوله تعالى:{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ}. فالرسل تشهد عليهم بأنّهم كانوا مشركين . فحينئذٍ يقولون لم نعبدهم لأنهم آلهة ولكن ليشفعوا لنا عند الله . فتقول الملائكة ألم يرسل الله لكم رُسُلاً أنذرتكم عن عبادتهم وتقديس قبورهم؟ فيقولون بلى ، ولكن سمعنا آباءنا يقولون أنّها تشفع .

(فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) على شفاعتها ، يعني هاتوا كتاباً سماوياً مكتوباً فيه أنّ الأنبياء والأولياء يشفعون لمن يحبّون ولمن يريدون . كلّا لا برهان لكم على ذلك فإنّ الأنبياء والأولياء لا يشفعون إلّا لمن أذن الله لهم بشفاعته .
فقد جاء في سورة البقرة قوله تعالى{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}. وجاء في سورة الأنبياء قوله تعالى: {لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}. وقال تعالى في سورة الأنعام {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. وقال تعالى في آية 70 من سورة الأنعام { وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا} . وقال تعالى في سورة غافر {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} .
(فَعَلِمُوا) حينئذٍ (أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من أمر الشفاعة .

-----------------------------------

79 :وانما قال تعالى (وَنَزَعْنَا) يعني أخذناه من بين قومه بالموت ونزعناه من جسمه المادّي وأعددناه ليوم الحشر والحساب لكي يشهد على المشركين من قومه والمكذّبين برسالته .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم