كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة آل عمران من الآية( 137) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

137 - ثمّ خاطب الله المشركين من قريش المكذّبين برسالة محمّد فقال (قَدْ خَلَتْ) أي قد مضت (مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) أي عادات وتقاليد كثيرة سنّتها الأمم الماضية بأهوائها لم يأمر الله بِها ولم ينزلها في كتاب ثمّّ قالوا إنّ الله أمرنا بِها ، ولمّا أرسلنا إليهم رسلاً من عندنا كذّبوهم وأهانوهم فأهلكناهم بذنوبِهم ، وكذلك أنتم تحلّلون وتحرّمون من الأنعام فتجعلون منها سائبة ووصيلة وبحيرة وغير ذلك وتجعلون من الأنعام والحرث نصيباً لله وآخر لشركائكم ثمّ تقولون ما كان لله فهو يصل لشركائنا وما كان لشركائنا فلا يصل إلى الله ، فتحلّلون وتحرّمون بما تَهوى أنفسكم ، ولَمّا أرسلنا لكم رسولاً من أنفسكم يعلّمكم ويرشدكم إلى طريق الحقّ كذّبتموه وقلتم إنّ الله أمرنا بِهذا (فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ) أي سيحوا (فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ) يعني فانظروا إلى آثار الأمم الماضية التي أهلكناها بسبب كفرها وتكذيبها للرسل ، فإذا أصررتم على تكذيبكم وبقيتم على كفركم فسيكون مصيركم كمصير الأمم السالفة التي كذّبت رسلها .

138 - (هَـذَا) القرآن الذي جاءكم به محمّد (بَيَانٌ لِّلنَّاسِ) يبيّن لكم الحلال والحرام والخير والشرّ (وَهُدًى) إلى طريق الحقّ (وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) الذين يتّقون الله بطاعته ويحيون قلوبَهم بموعظته .

146 - ( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ) أي وكم من نبيّ ممن كان قبلكم (قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) أي قاتلوا العدوّ مع نبيّهم ، والربيّون هم الموحّدون المنسوبون للربّ (فَمَا وَهَنُواْ) أي فما جبنوا (لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) من الأذى والجراح والقتل (وَمَا ضَعُفُواْ) عن الجهاد (وَمَا اسْتَكَانُواْ) أي وما خضعوا لعدوّهم كما فعلتم حين قيل قُتِل محمّد (وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) مع نبيّهم الثابتين على جهاد الكافرين .

152 - ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ) بالنصرة على أعدائكم (إِذْ تَحُسُّونَهُم) في بادئ الأمر ، أي تستأصلونهم ، لأنّ المشركين انهزموا في بادئ الأمر والمسلمون خلفهم (بِإِذْنِهِ) أي بإذن من الله لكم ، وذلك قوله تعالى في سورة التوبة : {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} ، (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ) في أمر عبد الله بن جبير والرماة من أصحابه ولم تنجح هذه الخطة (وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ) أي وكان الفشل في هذه الخطة بسبب تنازعكم في الأمر ، لأنّ الرماة تنازعوا مع عبد الله بن جبير فقالوا نذهب مع إخواننا لنغنم ، فقال لهم ألم يقل لكم رسول الله لا تبرحوا مكانكم ؟ (وَعَصَيْتُم) أمر نبيّكم (مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم) الله (مَّا تُحِبُّونَ) من النصرة على أعدائكم وهزيمتهم والغنيمة من أموالِهم ، ثمّ تغلّبت عليكم أعداؤكم لأنّكم انقسمتم قسمين (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا) فيترك مكانه ويسعى وراء الغنيمة (وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ) فيثبت في مكانه ولا يلتفت إلى الغنيمة فيقتل كعبد الله بن جبير ومَن قُتِل معه (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ) إلى المدينة ليخلّصكم من شرّهم ولتشفى جروحكم ولتسكن نفوسكم ، والمعنى ثمً أرجعكم إلى المدينة وألقى الرعب في قلوب المشركين ليرجعوا إلى مكة وينتهي القتال فيما بينكم وبينهم في ذلك اليوم (لِيَبْتَلِيَكُمْ) أي ليختبركم هل تشكرون أم تتضجّرون (وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ) في هذه المرّة حيث ندمتم على ما فرط منكم وذلك بفضل منه عليكم (وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) حيث هداهم إلى دين الإسلام فآمنوا .

153 - ثم ذكر المنهزمين من أصحاب النبيّ يوم أحد فقال تعالى (إِذْ تُصْعِّدُونَ) معناه ولقد عفا عنكم يوم أحد إذ تذهبون في وادي أحد وتصعدون على تلاله فراراً من العدوّ (وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ) اي ولا تلتفتون على أحد من قومكم جرحى كانوا أم قتلى (وَالرَّسُولُ) يعني محمّد (يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ) أي يناديكم من ورائكم فيقول ارجعوا إليَ عباد الله ، ارجعوا أنا رسول الله (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ) أي فجازاكم غمّاً بالهزيمة بسبب غمّكم للرسول بمخالفته إذ خالفتم أمره وتركتم أماكنكم فحلّ بكم ما حلّ (لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ) من الغنيمة (وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ) من القتل والهزيمة ، والمعنى جازاكم الله بهذه الكوارث لأجل مخالفتكم للرسول أوّلاً ولأجل أن تتمرّنوا على الكوارث والمصائب فلا تحزنوا بعد ذلك إن أصابكم مثلها ثانية (وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فينصركم إن امتثلتم قول نبيّكم ، ويخذلكم إن خالفتم أمره .

154 - (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً) أي أمناً (نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ) وهم المؤمنون . لَمّا تراجع المسلمون واجتمعوا عند رسول الله وهم يعتذرون إليه أنزل الله على المؤمنين منهم النعاس فناموا ووضع في قلوبهم الأمان لتهدأ روعتهم لأنّ المشركين توعّدوهم بالعودة للقتال فجلسوا تحت الجحف متهيّئين للحرب ، أمّا المنافقون منهم فكانوا خائفين مرعوبين ، وذلك قوله تعالى (وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ) وهم المنافقون ، أي كان همّهم الوحيد أن ينجوا بأنفسهم من القتل دون غيرهم (يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) وهم المشركون (يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ) والنهي (مِن شَيْءٍ) يعني يقول بعضهم لبعض هل لنا من الإمرة والمشورة من شيء ، فلو استشارونا وأخذوا برأينا ما حلّ بِهم ما قد حلّ (قُلْ) يا محمّد لهم (إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) ينصر من يشاء ويخذل من يشاء (يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ) أي ما لا يستطيعون إظهاره لك من الشكّ والنفاق (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ) أي من المشورة من (شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا) أي ما قُتِل أصحابنا (قُل) يا محمّد لهم في جواب ذلك (لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) أي لو لزمتم منازلكم أيّها المنافقون والمرتابون وتخلّفتم عن القتال لخرج إلى البراز المؤمنون الذين فرض عليهم القتال صابرين محتسبين فيقتُلون ويقتَلون . والتقدير لو تخلّفتم عن القتال لما تخلّف المؤمنون (وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ) أي يختبر ما في صدوركم بأعمالكم (وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) بأعمالكم فتظهر للمسلمين نيّاتكم وتنكشف أسراركم فلا يلتفتوا بعد ذلك إلى أقوالكم . والتمحيص هو الامتحان والاختبار (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) فلا تخفى عليه خافية من أسراركم .

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم