كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة آل عمران من الآية( 80) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

80 - (وَلاَ ) كان المسيح (يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا ) من دون الله (أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ ) كما تدّعون وكما أنتم عليه الآن (بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) أي بعد أن دعاكم إلى عبادة الله والاستسلام لأوامره فهذا غير صحيح فإنّ المسيح لم يأمركم بعبادته بل أمركم بعبادة الله وحده .

لقد اختلفت النصارى في المسيح فقال بعضهم هو رسول من الله ، وقال بعضهم هو إبن الله ، وقال آخرون هو الله ، وقال غيرهم هم ثلاثة أب وابن وروح القدس والثلاثة هم واحد ، كما أنّ الإنسان مقسّم من جذع ورأس وأطراف ولكن هو واحد .
وقد كنّى المسيح نفسه "إبن الإنسان" ، فإذا تصفّحت الإنجيل تجد تكرار إبن الإنسان في عدّة صفحات وهي كناية المسيح ، وإنّما كنّى نفسه بابن الإنسان لئلاّ يقولوا أنّه إبن الله ، حيث كان يعلم ذلك . وقد جاء في التوراة ما يفنّد أقوالهم ويثبت أخطاءهم وذلك في الاصحاح الثالث والعشرين من سفر العدد قال الله تعالى (ليس الله إنساناً فيكذب ولا إبن إنسانٍ فيندم ) فلمّا كان مفهوماً وثابتاً عند المسيحية بأنّ كناية المسيح هي إبن الإنسان ، أفلا يلتفتون إلى هذه العبارة وينتبهون إلى أغلاطهم مع أنّهم يؤمنون بالتوراة ويعترفون بِها ، فهل يريدون كلمة توضّح لهم أكثرمن هذه الجملة ، وهي قول الله تعالى (ليس الله إنساناً فيكذب ولا إبنَ إنسانٍ فيندم ) ؟ 39

81 - (وَإِذْ ) أي واذكر يا محمّد لهم حين (أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ ) السالفين (لَمَا آتَيْتُكُم ) يا بني إسرائيل (مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ) يعني أخذ العهد والميثاق على الأنبياء أن يعلّموكم الكتاب والحكمة وأن يفهموكم بأن سيأتي في آخر الزمان رسول فيجب عليكم أن تؤمنوا به وتنصروه (ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ ) كما وعدناكم به وهو محمّد بن عبد الله (مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ) من أمر التوحيد والنهي عن الإشراك ومصدّق أيضاً بالأحكام الشرعية التي انزلها الله عليكم (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ) أي يجب عليكم أن تؤمنوا بمحمّد وتنصروه كما قطعتم الميثاق مع أنبيائكم على نصرته (قَالَ ) الله تعالى للنبيّين (أَأَقْرَرْتُمْ) بالميثاق (وَأَخَذْتُمْ ) من قومكم (عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ) أي عهدي (قَالُواْ ) أي الأنبياء (أَقْرَرْنَا ) بذلك (قَالَ ) الله تعالى (فَاشْهَدُواْ ) على قومكم (وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ) عليهم .

وإليك بعض بعض ما جاء في التوراة من قيام نبيّ ، فقد جاء في الاصحاح الثامن عشر من التثنية قال موسى لقومه "يقيم لك الربّ إلاهك نبيّاً من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون ، حسب كلّ ما طلبت من الربّ إلاهك في حوريب يوم الاجتماع قائلاً لا أعود أسمع صوت الربّ إلاهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضاً لئلاّ أموت ، قال لي الربّ قد أحسنوا فيما تكلّموا ، أقيم لهم نبيّاً من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلّمهم بكلّ ما أوصيه به ، ويكون إنّ الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلّم به باسمي أنا أطالبه ."

86 - جماعة ارتدّوا عن دين الإسلام فقتلوا المحذّر بن زياد غدراً وهربوا من المدينة إلى مكّة ، ثمّ ندم واحد منهم يقال له حارث بن سويد وكان من أهل المدينة فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله هل لي من توبة ، فسألوا فنزلت هذه الآيات :

(كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ) أي كيف يهديهم إلى طريق الحقّ ثانيةً بعد أن كفروا وقتلوا (وَ) بعد أن (وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ ) والتقدير : بعد أن أسلموا وشهدوا أنّ الرسول حقّ (وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) أي البراهين (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) إلى طريق الحقّ بل يضلّهم لأنّهم ظلموا الرجل فقتلوه بغير ذنب .

87 - (أُوْلَـئِكَ ) الكافرون الظالمون (جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ ) أي عذابه (وَالْمَلآئِكَةِ ) تلعنهم (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) يلعنونهم ، وبذلك يدخلون جهنّم يوم القيامة (خَالِدِينَ فِيهَا) أي دائمين فيها (لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ) أي ولا يُمهَلون .

89 - (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ) الحادث ، وهو القتل ، والذي تاب هو الحارث بن سويد (وَأَصْلَحُواْ ) أعمالهم (فَإِنَّ الله غَفُورٌ ) لمن تاب (رَّحِيمٌ ) بمن يرحم الناس .

90 - ثمّ جاء في الذين بقوا على كفرهم ولم يتوبوا :

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) عند الممات (وَأُوْلَـئِكَ ) الكافرون (هُمُ الضَّآلُّونَ ) عن طريق الحقّ .

91 - وجاء في الذين ماتوا على كفرهم ولم يتوبوا :

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم ) يوم القيامة (مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ) أي مقدار ما يملأ الأرض من الذهب (وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ) عن العذاب فلا يفيده ولن يُقبَل منه (أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي مؤلم (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ) ينصرونهم ويخلّصونهم من عذاب الله .

92 - ثمّ خاطب المسلمين فقال (لَن تَنَالُواْ ) أجر (الْبِرَّ ) وتكونوا أبراراً (حَتَّى تُنفِقُواْ ) في سبيل الله (مِمَّا تُحِبُّونَ ) من المأكل والملبس فحينئِذٍ تكونون أبراراً وتنالون أجراً ، أمّا إذا أنفقتم من المأكل والملبس الرديء الذي لا ترغبون فيه فلن تنالوا أجراً عليه ، وكذلك إذا أنفقتم أموالاً أو شيئاً آخر من المأكل أو المشرب لغير الله فلن تنالوا أجره (وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ ) في سبيل الله أو في سبيل غيره (فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) يعلم بما كان له وبما كان لغيره من المخلوقين .

93 - أنكر اليهود تحليل النبيّ لحوم الإبل إذ قال كان حلاً لإبراهيم ، فقالت اليهود : كلّ شيء نحرّمه فإنّه محرّم على نوح وإبراهيم وغيرهم من الأنبياء حتّى انتهى إلينا ، فنزلت هذه الآية :

(كُلُّ الطَّعَامِ ) أي المأكولات (كَانَ حِـلاًّ ) أي كان حلالاً (لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ) أي أولاد إسرائيل الإثني عشر ، وإسرائيل هو يعقوب ، والمعنى لم يحرّم يعقوب على أولاده شيئاً من المأكولات (إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ) وذلك لسبب مرض أصابه فاحتمَى وكان ذلك (مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ) ولَمّا نزلت التوراة حرّم الله عليكم لحم الإبل وغيرها ولم يحرّمها علينا نحن المسلمين ، فأنتم قلتم أنّ لحم الإبل كان حراماً أيضاً على يعقوب وأولاده وذلك مكتوب في التوراة (قُلْ ) لهم يا محمّد (فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا ) علينا ، أي فاقرؤوها علينا لنرى صدقكم (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) فيما تدّعون .

-----------------------------------

39 :فضلاً عن أنّ السيد المسيح أكثر من قوله "وهؤلاء علموا أنّك أرسلتني ، ليؤمن العالم أنّك أنت أرسلتني " إنجيل يوحنّا 17 : 21 ؛ وقوله الأكثر دلالة على كونه رسولاً "إنّه ليس عبد أعظم من سيّده ولا رسول اعظم مِمّن أرسله" إنجيل يوحنّا 17 ؛ ومافي سفر جامعة أكثر وضوحاً في التوحيد "واحداً ليس له ثانٍ لا إبن ولا أخ" 4: 8 - المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم