كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 134) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

134 - ثمّ بيّن سبحانه بأنّ من يتّقِ الله ويعمل صالحاً يكسب ثواب الدارين أمّا في الدنيا فيكون له الصيت الحسن بين الناس والذكر الطيّب إلى يوم القيامة وأمّا في الآخرة فله الجنّة والنعيم فقال (مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) يعني فليتّقِ الله وليكسب الإثنين (وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا) لأقوالكم (بَصِيرًا) بأعمالكم فيجازيكم عليها بعد موتكم .

136 - أسلم جماعة من اليهود وهم عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وابن أخت عبد الله بن سلام ويامين ، وقالوا نؤمن بك يا محمّد وبكتابك وبموسى والتوراة ولا نؤمن بعيسى والإنجيل . فنزلت هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) بمحمّد (آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ) عيسى بن مريم (وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) يعني الإنجيل (وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ) أي التوراة ، والمعنى آمنوا بجميع الكتب السماوية وجميع الرسل ولا تكفروا بواحدٍ منهم (وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) يعني يوم القيامة (فَقَدْ ضَلَّ) عن الحقّ (ضَلاَلاً بَعِيدًا) .

137 - تعاقد اليهود الذين هم حول المدينة مع مشركي مكّة بأن يتعاونوا على حرب محمّد ، فنزلت فيهم هذه الآية :

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ) بِموسى (ثُمَّ كَفَرُواْ) وعبدوا العجل ثمّ ندموا (ثُمَّ آمَنُواْ) بِربّهم وحده (ثُمَّ كَفَرُواْ) وعبدوا البعليم (ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا) بِعبادتهم للأوثان والشعرى اليمانية وعشتاروث (لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) يوم القيامة كما يزعمون (وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) أي ولا يرشدهم إلى طريق الجنّة لأنّهم منافقون .

141 - ثمّ أخذ الله تعالى في ذمّ المنافقين وتقلّباتهم فقال (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) أي ينتظرون بكم ما يتجدّد لكم من نصر أو إخفاق ، والخطاب للمسلمين (فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ) أي فإن اتّفق لكم فتح وظفر على الأعداء (قَالُواْ) أي قال المنافقون للمؤمنين (أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ) نجاهد عدوّكم ونغزو فأعطونا نصيباً من الغنيمة (وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ) بإصابتهم من المؤمنين (قَالُواْ) أي قال المنافقون للكافرين ، يعني لِمشركي مكّة (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) أي ألم نستولِ عليكم في الموضع الفلاني ولكن لم نقتلكم كي تنتصروا على المؤمنين (وَنَمْنَعْكُم) أي نحرسْكم (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) وسطوتِهم بأن نخبركم ونراسلكم بِما يريدون أن يفعلوه معكم كي تأخذوا الحذر منهم فلنا عليكم المنّة (فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) أيّها المنافقون (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ويعاقبكم على أعمالكم هذه (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) أي طريقاً للغَلَبة عليهم مهما أفشيتم أسراراً للمؤمنين ومهما خذلتم المسلمين .

144 - كان بعض المسلمين يحبّون أقرباءهم من الكافرين ويوالونهم فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء) أي أحبّاء (مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أي بدل المؤمنين فالأحرى بكم أن توالوا المؤمنين وتدافعوا عنهم (أَتُرِيدُونَ) بفعلكم هذا (أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا) أي حجّة ظاهرة ، ومعناه أتريدون أن تجعلوا لله سبيلاً إلى عذابكم ، ثمّ بيّن سبحانه بأنّ من يوالي الكافرين فهو منافق ، ثمّ بيّن ما هو عذاب المنافقين يوم القيامة فقال :

145 - إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) اي في وسطها الذي هو موقد نارها وشدّة حرارتِها ، أمّا غيرهم فيكون عذابهم حولها لا في وسطها ، وذلك قوله تعالى في سورة مريم : {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} ، وبعضهم يُعرَضون عليها ، وذلك قوله تعالى في سورة غافر {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} ، (وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) أي لا تجد لهم ناصراً ينصرهم ويخلّصهم من عذاب الله . ثمّ استثنى من تاب من المنافقين فقال تعالى :

146 - ( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ) من نفاقهم وذنوبهم (وَأَصْلَحُواْ) أعمالهم وضمائرهم (وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ) يعني ووثقوا به فجعلوه عوناً لهم في المهمّات وملجئاً من الآفات وأهلاً للعبادات (وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ) وتركوا الرياء والإشراك ، والمعنى جعلوا عبادتهم خالصةً لله لا يشركون يه أحداً من المخلوقين ولا يراؤون الناس ليقولوا عنهم أنّهم عابدون (فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) يحشرون وبالجنّة يتنعّمون (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) في الآخرة .

150 - دعا النبيّ أهل الكتاب إلى الإسلام فأسلم بعضهم وأنكر الآخرون نبوّته وطلبوا منه المستحيلات فأنزل الله فيهم هذه الآيات (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ) يعني اليهود الذين كفروا بالله لأنّهم عبدوا العجل والبعليم وعشتاروث وغير ذلك من الأصنام . أمّا النصارى كفروا بالله أيضاً لأنّهم قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة ، وقالوا المسيح ابن الله ، وقال بعضهم المسيح هو الله52 ، فهذا كفرهم بالله (وَرُسُلِهِ) أمّا كفرهم برسله هو إنكارهم الرسالة وقولهم أنّ هؤلاء ليسوا رسلاً وإنّما هم أدعياء (وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ) بإنكارهم الرسالة (وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ) الأنبياء (وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) فاليهود يؤمنون بموسى وغيره من أنبياء بني إسرائيل ويكفرون بعيسى53 ومحمّد ، والنصارى يؤمنون بعيسى ومن جاء قبله من الرسل ويكفرون بِمحمّد (وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) أي يتّخذوا طريقاً إلى الضلال بأهوائهم .

154 - (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ) أي بنقضهم ميثاقهم ، وذلك لَمّا ذهب موسى إلى جبل الطور ليأتي بالتوراة وكان معه جماعة من قومه قال لهم قفوا هنا في أسفل الجبل وأنا أصعد وآتيكم بالتوراة ، فلَمّا رجع إليهم وفي يده لوحان من حجر مكتوب فيهما التوراة قال هؤلاء الذين بقوا في انتظاره من يصدّق أنّ هذه التوراة من عند الله . وكانوا قد أعطوه العهود والمواثيق بأن يقبلوها منه ويعملوا بِها ، فلمّا قالوا هذا الكلام انشقّ الجبل الذي كانوا قاعدين تحته ومالت الشقّة عليهم وكادت تقع عليهم فتهلكهم فخافوا وصاحوا آمنّا وصدّقنا , فاستقرّت الشقّة في مكانها ولم تقع عليهم ، وقد جاء ذكرها في سورة الأعراف أيضاً وذلك قوله تعالى {وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِم} .

ثمّ ذكر سبحانه جهلهم وعنادهم في حادثة أخرى فقال (وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ) أي باب المدينة وهي أريحا (سُجَّدًا) أي مطيعين منقادين ، ولكنّهم لم يدخلوها بل عصوا وعاندوا وقالوا لِموسى إذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون . ثمّ ذكر سبحانه عصيانهم في أمرٍ آخر فقال (وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ) أي لا تعتدوا الأوامر التي أوصاكم الله بِها ونهاكم عنها ، ولكنّهم اعتدَوا وخالَفوا أوامره فأخذوا يبيعون ويشترون ويصيدون السمك في السبت (وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) على أن يطيعوا الله ولا يعصوه ويعبدوه ولا يشركوا به أحداً ولكنّهم خانوا العهود ونقضوا المواثيق وعبدوا البعليم وعشتاروث وعصوا أمر ربّهم ، فهذه هي أعمالهم وهذه هي مخازيهم فلا تلتفت إلى قولهم يا محمّد حيث طلبوا منك المستحيل ولا يهمّك شأنهم .

-----------------------------------

52 :حالة أنّ المسيح نفسه زجر بطرس وطرده لأنه قال عنه : إنّك المسيح ابن الله ولم يقبله إلاّ بعد شفاعة التلاميذ له ، وذلك قول المسيح : « ﭐذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ . أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ »إنجيل متّى 16: 23 ويجب أن تكون ترجمته : « ﭐبتعِدْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ » فإنّها تصدق على بطرس القائل : « ﭐبْعدْ عنّي يَا سيّد فإنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ » إنجيل لوقا 5: 8 - المراجع .

53 :وإنّ الذي أطلق عليه كناية "إبن الله " وغيرها ليس إلاّ الشيطان على لسان المجانين "اسْتَقْبَلَهُ مِنَ الْقُبُورِ إِنْسَانٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ " راجع إنجيل مرقس 5: 2 7 ولذلك انتهر بطرس والتلاميذ .6 فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ مِنْ بَعِيدٍ 7 صاح بِصَوْتٍ عَظِيمٍ : "مَالِي وَلَكَ يَايَسُوعُ ابْنَ اللَّهِ الْعَلِيِّ !”أن يقولوا له "أنت هو المسيح إبن الله الحيّ 30 فانتهرهم ." إنجيل مرقس 8: 29 و 30 - المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم