كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 154) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

154 - (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ) أي بنقضهم ميثاقهم ، وذلك لَمّا ذهب موسى إلى جبل الطور ليأتي بالتوراة وكان معه جماعة من قومه قال لهم قفوا هنا في أسفل الجبل وأنا أصعد وآتيكم بالتوراة ، فلَمّا رجع إليهم وفي يده لوحان من حجر مكتوب فيهما التوراة قال هؤلاء الذين بقوا في انتظاره من يصدّق أنّ هذه التوراة من عند الله . وكانوا قد أعطوه العهود والمواثيق بأن يقبلوها منه ويعملوا بِها ، فلمّا قالوا هذا الكلام انشقّ الجبل الذي كانوا قاعدين تحته ومالت الشقّة عليهم وكادت تقع عليهم فتهلكهم فخافوا وصاحوا آمنّا وصدّقنا , فاستقرّت الشقّة في مكانها ولم تقع عليهم ، وقد جاء ذكرها في سورة الأعراف أيضاً وذلك قوله تعالى {وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِم} .

ثمّ ذكر سبحانه جهلهم وعنادهم في حادثة أخرى فقال (وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ) أي باب المدينة وهي أريحا (سُجَّدًا) أي مطيعين منقادين ، ولكنّهم لم يدخلوها بل عصوا وعاندوا وقالوا لِموسى إذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون . ثمّ ذكر سبحانه عصيانهم في أمرٍ آخر فقال (وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ) أي لا تعتدوا الأوامر التي أوصاكم الله بِها ونهاكم عنها ، ولكنّهم اعتدَوا وخالَفوا أوامره فأخذوا يبيعون ويشترون ويصيدون السمك في السبت (وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) على أن يطيعوا الله ولا يعصوه ويعبدوه ولا يشركوا به أحداً ولكنّهم خانوا العهود ونقضوا المواثيق وعبدوا البعليم وعشتاروث وعصوا أمر ربّهم ، فهذه هي أعمالهم وهذه هي مخازيهم فلا تلتفت إلى قولهم يا محمّد حيث طلبوا منك المستحيل ولا يهمّك شأنهم .

155 - (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ) أي فبنقضهم ميثاقهم و "ما" للكثرة والتنوّع نحو قولك "نوعاً ما" أي نوع من الأنواع ، وذلك كقوله تعالى في سورة البقرة {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} ، أي مثلاً من الأمثال . و"ب" سببية متعلّقة بمحذوف وتقديره : لعنّاهم بسبب نقضهم كثرة المواثيق وأنواع العهود54 التي أخذناها عليهم (وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ) التي جاء بها المسيح والتي جاء بِها محمّد (وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء) كزكريا ويحيى وغيرهما (بِغَيْرِ حَقًّ) يعني بغير خطيئة استوجبوا بِها القتل (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أي عليها غلاف لا تعي كلامك يا محمّد (بَلْ طَبَعَ) أي خَتَمَ (اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) فلا تعي وعظاً (فَلاَ يُؤْمِنُونَ) بك يا محمّد (إِلاَّ قَلِيلاً) منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه .

156 - (وَبِكُفْرِهِمْ) ثانيةً بعيسى (وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) حيث رمَوها بالزنا (وَقَوْلِهِمْ) مفتخرين (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ) استهزاءً منهم بكلمة "رسول الله" ثمّ بيّن سبحانه أنّهم لم يقتلوه ولم يصلبوه في الحقيقة ولكن جعل الله واحداً شبيهاً له فأخذوه وصلبوه وذلك قوله تعالى (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ) أي في عيسى حيث صلبوا غيره (لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ) أي في شكٍّ من صلبه لأنّهم رأوا عيسى حياً بعد ثلاثة أيام (مَا لَهُم بِهِ) أي بقتله (مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ) أي يتّبعون فيه الظنّ الذي تخيّلوه (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) لكنّهم قتلوا غيره (بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ) بعد موته أي رفع روحه إلى السماء بعد الحادثة بزمن ، وذلك أنّه أفلت منهم فذهب إلى ربوة فبقي فيها يتعبّد لله ولحقته أمّه وبعد زمن مات بأجله فدُفِن جسمه في تلك الربوة وصعدت روحه إلى السماء ، والدليل على ذلك قول الله تعالى في سورة المؤمنون {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } ، (وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا) في ملكه (حَكِيمًا) في صنعه ، وقد سبقت قصّة المسيح في سورة آل عمران55.

159 - (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) يعني ولا واحداً من اليهود الذين أرادوا قتله وصلبه (إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) أي يؤمن بأنّ المسيح لم يُصلَب بل الذي صُلِب كان شخصاً آخر لأنّهم رأوا المسيح حياً بعد الصلب بثلاثة أيام (قَبْلَ مَوْتِهِ) أي قبل موت المسيح لأنّ المسيح مات بعد الحادثة بِمدّة (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ) المسيح (عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) أي يشهد على هؤلاء اليهود الذين أرادوا قتله وصلبه .

160 - (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ) أي اليهود (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ) من المأكل والمشرب (أُحِلَّتْ لَهُمْ) من قبل ، والمعنى بسبب ظلمهم أنفسهم حيث عبدوا العجل وعصَوا أمر ربّهم بامتناعهم عن الدخول إلى أريحا وقولهم لِموسى إذهب أنت وربّك فقاتِلا ، حرمناهم طيّبات من المأكل أربعين سنة فلم يأكلوا غير المنّ (وَبِصَدِّهِمْ) الناس (عَن سَبِيلِ اللّهِ) أي عن دين الله (كَثِيرًا) أي كثيراً من الناس ، والمعنى وسنحرمهم من طيّبات الجنّة أيضاً وذلك بسبب صدّهم كثيراً من الناس عن الإيمان بالمسيح وبمحمّد .

161 - (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ) في التوراة (وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) أي بغير استحقاق ، وهو ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام (وَأَعْتَدْنَا) أي هيّأنا (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ) بالرسُل (مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي مؤلماً موجعاً .

162 - (لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ) أي الثابتون (فِي الْعِلْمِ) بنبوّتك غير متردّدين في أمرك (مِنْهُمْ) أي من اليهود كعبد الله بن سلام وأصحابه (وَالْمُؤْمِنُونَ) من العرب ، يعني المهاجرين والأنصار (يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) من الكتب السماوية (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي يوم القيامة (أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ) في الآخرة (أَجْرًا عَظِيمًا) جزاءً على أعمالهم الصالحة .

-----------------------------------

54 :لا يخلو سفر من أسفار التوراة من تكرار العهد عليهم بالتوحيد والعبادة الخالصة لله وترك الأصنام وعبادةالأوثان . – المراجع .

55 :ومِمّا يؤيّد أنّ الصلب أحاق بغيره قوله [إنّ ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه في المزامير ككلمتك نجّني . ] أي كما ستنجي المسيح نجّني . – المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم