كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 30) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

30 - (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ) فيأكل أموال الناس (عُدْوَانًا) أي تجاوزاً لحدود الله وذلك كالسلب والنهب والسرقة (وَظُلْمًا) وذلك كالرشوة والربا وإنكار الأمانة وغير ذلك (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا) يصلى بِها يوم القيامة (وَكَانَ ذَلِكَ) العذاب في النار (عَلَى اللّهِ يَسِيرًا) أي هيّناً لا يمنعه منه مانع ولا يدفعه عنه دافع . واعلم أنّ الدنيا مدرسة للإنسان فالحوادث والمصائب تكسب الإنسان معلومات فيزداد عقله تدريجياً فيصبح عالماً بالأمور وفي ذلك قيل :

جزَى الله الشدائدَ كلّ خيرٍ ..... عرفتُ بِها عدوّي مِن صديقي
ولو كُشِف الغطاء عن الإنسان لعلم أن ليس في الدنيا مصيية حتّى الموت ، وإليك مثلاً في ذلك : إنّ أعزّ الأشياء على الإنسان في الدنيا إبنه الصغير إذا كان عمره بضع سنوات لأنّه يأنس به ويلاعبه ، فإذا مات هذا الولد فموته أكبر مصيبة على والديه ، وفي ذلك قيل : "موت الولد صدع في الكبد لا ينجبر إلى الأبد" . فلو كُشف الغطاء عن والده وعَلِم عِلْمَ اليقين لرأى أنّ موتَ ابنه الصغير نعمة من الله عليه وليست مصيبة . ولعلّك أنكرت عليّ ايّها القارئ الكريم قولي هذا فتقول : كيف يكون موت الولد نعمة ؟ أقول لك إنّ الإنسان لا يموت بل ينتقل بموته من عالم مادّي إلى عالم أثيري ، وأرواح الأطفال لا تكبر بل تبقى على ما كانت عليه حين موتِها ، فالإنسان لا يتناسل في عالم الأثير ولا يكون له أولاد إلاّ من مات وهو طفل صغير ، فإذا مات أبوه وجد ابنه هناك فيفرح به ويبقى الولد عند أبويه يأنسان به ويلاعبانه في عالم الأثير ، فحينئذٍ يعلمان علم اليقين بأنّ موت ابنهما وهو طفل صغير كان نعمة من الله عليهما إذ لو لم يمت لَما كان لهما طفل في عالم الأثير يأنسان به ، فحينئذٍ يشكران الله على موت ابنهما في سنّ الطفولة .
وهكذا كلّ المصائب لو صبرنا عليها لوجدناها في العاقبة نعمة وليست مصيبة ، فهوّن عليك الأمور ولا تحزن لِما فاتك ولا تفرح بِما آتاك .

31 - لَمّا نزل قوله تعالى في سورة الزمر {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ، قال بعض الصحابة يا رسول الله أيغفر الله الكبائر والصغائر ؟ فنزلت هذه الآية :

(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) والمعنى إن تجتنبوا الكبائر نكفّر عنكم الصغائر إذا تبتم ، يعني إن تبتم عن ذنب صغير نقبل توبتكم ، وإن تبتم عن ذنب كبير فلا نقبل توبتكم حتّى يقام عليكم الحدّ إن كان فيه حدّ وترجعوا أموال الناس وحقوقهم إن كنتم اغتصبتم حقوقهم ثمّ تتوبون فحينئذٍ نقبل توبتكم .
فالسارق يجب عليه أن يعيد المال الذي سرقه إلى صاحبه ثمّ يتوب ، وعاقّ الوالدين يجب عليه أن يرضي أبويه ثمّ يتوب ، وقاتل النفس يجب عليه أن يدفع ديتها ثمّ يتوب ، والذي يرمي المحصنة بالفحشاء47يجب عليه أن يطلب رضاها فيدفع لها الأموال أو يعمل معها معروفاً حتّى ترضى عنه وتغفر له زلّته ثمّ يتوب ، وهكذا يجب عليه أن يؤدّي حقوق الناس التي اغتصبها ثمّ يتوب فتقبل توبته وإلاّ فلا .
والكبائر كلّ ذنب يقام عليه الحدّ ، أو اغتصاب حقّ من حقوق الناس ، وأعظم الكبائر الإشراك بالله ، ومن الكبائر قتل النفس المؤمنة وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وعقوق الوالدين والفرار من الزحف في قتال الكافرين ، والزنا بامرأةٍ متزوّجة ، ومنع المرأة من الزواج ، والفتنة بين صديقين حتّى تكون بينهما العداوة ، وإيقاع المحصنة بالزنا وغيرها من الذنوب (وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) اي مكاناً طيباً حسناً وذلك لِمن تجنّب الكبائر وتاب عن الصغائر .

33 - ( وَلِكُلٍّ) من الرجال والنساء (جَعَلْنَا مَوَالِيَ) مفردها مولَى ، وهو الذي يتولّى أمرك ويقوم بإدارة شؤونك ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران {بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} . يعني سيّدكم والذي يقوم برعايتكم ، ومِمّا يؤيّد هذا قول زكريّافي سورة مريم {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي} أي خفت من تكون له الولاية على الحكم من بعدي . والمعنى جعلنا لكلٍّ من الرجال والنساء ولايةً ورعايةً على حصصهم وأملاكهم من الميراث (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) من المال .

ثمّ أوصى سبحانه في المماليك بأن يعطوهم حقّهم إذا استعملوهم في تجارة أو صنعة أو حرفة فقال (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) من العبيد (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) من المال الذي اكتسبوه ، والمعنى والذين تعاقدتم معهم على تجارة يتاجرون بِها لكم أو حرفة أو عمل أوصنعة يشتغلون بِها ويأتونكم بالمال الذي يحصلون عليه فآتوهم نصيبهم منه كما تعاقدتم معهم ، فأن تعاقدتم معهم بالمناصفة فأعطوهم نصف الربح من التجارة ونصف المال من عملهم إن عملوا ولا تنقصوهم من حقّهم شيئاً (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) أي حاضراً يسمع ويرى فيعاقبكم في الآخرة إن لم تعطوهم نصيبهم .
فالمعاقدة هي المعاهدة والمكاتبة ، ونظيرها في سورة النور قوله تعالى{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} .

36 - ( وَاعْبُدُواْ اللّهَ) وحده (وَلاَ تُشْرِكُواْ) في العبادة (بِهِ شَيْئًا) من المخلوقين والمخلوقات فلا تعبدوا الملائكة ولا الأنبياء ولا الأئمة ولا المشايخ ولا القبور بل اجعلوا أعمالكم خالصة لوجه الله (وَ) أحسنوا (بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) بالقول والعمل (وَبِذِي الْقُرْبَى) أي الأقرباء (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) أي جارك القريب منك في الجوار يعني الذي داره أمام دارك (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) اي جارك الذي عن جنبك يعني عن يمينك وعن شمالك أحسِن إليه أيضاً (وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ) يعني رفيقك في سفرك والعامل في معملك والحارث في زرعك والفلاّح في بستانك والراعي في غنمك وغير ذلك مِمّن يعمل عندك (وَابْنِ السَّبِيلِ) أي المسافر ، يعني الغريب المنقطع يجب عليك أن تحسن إليه وتكرمه ، وكذلك الضيف فإنه مسافر عن أهله فيجب عليك أن تكرمه وتحسن إليه ، ومدّة الضيافة ثلاثة أيام وبعدها يأكل صدقة (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) من المماليك والعبيد والخدم (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً) أي متكبّراً على العمّال والخدم وغيرهم (فَخُورًا) على الناس بِما أوتي من المال .

-----------------------------------

47 :أي يتّهمها بالزنا وهي غير زانية فيجب عليه أن يعترف بخطيئته عند من ذكرها عنده بالزنا .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم